في ظل الانهيار والإفلاس، هل لبنان في طريقها إلى السلام أم حرب أبدية؟

حسين عبد الحسين

AFP Photo: Joseph Eid

بعد أن كانت الدولة الوحيدة ذات الاقتصاد الحر في الشرق الأوسط العربي، انضمت لبنان إلى رابطة الاقتصاديات الفاشلة، وأصبح لعملتها سعرين للصرف: سعر ثابت ورسمي، وآخر عائم وفي السوق السوداء – وهو السعر الذي بدأ يفك ارتباطه بالسعر الرسمي قبل عدة أسابيع. وبعد ما يقرب من ثلاثة عقود من ربط الليرة بالدولار الأمريكي، نفد رصيد لبنان من العملات الأجنبية، واستنفدت حد الائتمان. مما دفع الحكومة إلى تقديم وعودها إلى المجتمع الدولي بأنها ستطبق إصلاحات مالية وإجراءات تقشفية على أمل أن تساعد المساعدات على دعم الليرة. وحتى لو فرضنا أنه يمكنالنجاح في تلك الإصلاحات (وفرص النجاح ضعيفة بالفعل)، فإن الإصلاحات لن تكفي وحدها. رغم أنها أبسط الطرق، والسبب في هذا أن مشكلة لبنان ليست مالية، إنها مشكلة هيكلية. حيث يرتكز سوء الإدارة الاقتصادية على سوء الإدارة السياسية للأمور الجغرافية والسياسية.

وعندما تولى الراحل رفيق الحريري منصب رئيس للوزراء للمرة الأولى في عام 1993، كان الرجل ذو رؤية. وبالنظر إلى لبنان كدولة صغيرة المساحة وقليلة السكان نسبيًا، وتفتقر إلى الموارد الطبيعية، أدرك “الحريري” أنه لا يمكن للبنان إدارة اقتصاد الحجم. ولا يمكن لها المنافسة في مجالات الصناعة أو الزراعة، على المستوى الإقليمي والدولي.

وأدرك “الحريري” أيضًا أن الشيء الوحيد الذي يميز لبنان هو مواردها البشرية. وتستضيف لبنان كليات ومدارس تبشيرية من الدرجة الأولى، كما تخرج لبنان، على مدار القرن الماضي، وتصدر بعضًا من أرقى الأيدي العاملة الماهرة في العالم. ولكي ينمو اقتصاد البلد، بعد 15 عامًا من الحرب الأهلية التي والتي انتهت عام 1990، كان أفضل رهان للبنانيين هو محاكاة النموذج الاقتصادي للنمور الآسيوية – مثل، هونج كونج، وسنغافورة، وتايوان، وكوريا الجنوبية. ولتحقيق هذا، تفتق عن ذهن الحريري خطة ما.

ولكن الحريري قُتل في عام 2005، ودُفنت معه رؤيته وخطته. وفي المقابل، تغلب سياسة “المقاومة” على المعنى الاقتصادي، وبدأ لبنان في الابتعاد عن النظام الرأسمالي الدولي. وبدلاً من ذلك، أقحمت لبنان نفسها في عالم غامض من التجارة غير المشروعة التي يديرها حزب الله وإيران وحلفاؤهم على مجموعة من الأراضي تمتد في جميع أنحاء العالم، بدءًا من أمريكا الجنوبية وأفريقيا إلى أفغانستان.

وفي الوقت نفسه، أعاقت حروب لبنان غير المتوقعة أي محاولة للتخطيط الاقتصادي الحكيم. ومنذ عام 2006، جر حزب الله لبنان إلى حرب مع إسرائيل، تلتها حادثتان أو ثلاث حوادث كانت أقرب إلى الحرب، وهي حرب في مخيم للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان في عام 2007، وحرب أهلية صغيرة في عام 2008، وإطلاق نار مختلف من جانب مسلحين وكاد الأمر أن يتطور إلى مواجهات أكبر.

وفي الأيام الأكثر هدوءًا، يحب زعيم حزب الله، حسن نصر الله، تكررا أسماء القادة الإيرانيين. وهناك حديث يحب “حسن نصر الله” تناوله وهو أنه إذا تعرضت إيران لهجوم من جانب الغرب، فستنشب “حرب شاملة” ينضم إليها حزب الله، تجر لبنان بأسره. وكان لتلك التصريحات أثرها في تنفير المستثمرين الأجانب والسائحين من القدوم إلى لبنان.

وعندما يكون قائدة لبنان في حالة سلامة أو لا يهددون بدخول حرب، نجدهم يستمتعون بإهانة جيرانهم القريب منهم والبعيد. فدأب نصر الله هو مهاجمة دول الخليج. ولا يزال الرئيس “ميشال عون” يشعر بخيبة الأمل إزاء “الاحتلال العثماني” التركي للبنان (وكان هذا قبل قرن من الزمان). وفي هذه الأثناء، يرى القادة والسياسيون والنقاد اللبنانيون، ومعظمهم تقريبًا، أنهم في حالة حرب مع إسرائيل، ويحرضون بشكل مستمر ضد أمريكا. ويبدو أن لدى لبنان قائمة طويلة واستثنائية من الأعداء.

إن العداوة التي خلقتها لبنان ضد الجميع قد تركتها بلا أصدقاء تقريبًا، وبالتالي لم يبقى بجانبها سوى عدد قليل جدًا من الشركاء التجاريين، بخلاف إيران المنهكة ماليًا وسوريا المحروقة. وفي ظل غياب الشراكات التجارية، ومع حذر المستثمرين الأجانب والسياح من استثمار أموالهم أو أوقاتهم في بلد يعيش في حالة حرب دائمة، فإن السؤال المطروح هو: كيف ترى الحكومة اللبنانية السبيل إلى تحديد سعر الصرف، أو تحقيق نموًا اقتصاديًا؟

وقال زعيم الدروز اللبناني، وليد جنبلاط، في عام 2005، مازحًا، إنه على لبنان أن يختار بين أن يكون مثال “هانوي” [عاصمة فيتنام]، والتي خاضت حربًا دموية مع أمريكا، أو “هونغ كونغ”، تلك المدينة الصغيرة ذات الاقتصاد المزدهر. والمفارقة هنا هي أن “هانوي” قد حسنت الآن علاقاتها مع الولايات المتحدة، بل أنها استضافت الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وأصبحت واحدة من شركاء واشنطن التجاريين وتهديدًا اقتصاديًا ناشئًا لمنافس أمريكيا، وهي الصين.

ورغم أن حزب الله يحمل السياسيين الفاسدين وسوء إدارتهم للموارد الوطنية مسؤولية العلل الاقتصادية في لبنان (وهناك قدر من الحقيقة)، بينما يلقي السياسيون اللبنانيون اللوم في الأزمة الاقتصادية الحالية على “مؤامرة حيكت في الغرف المغلقة” (والكثير منها ليس حقيقي)، ويقع اللوم الحقيقي على سياسة لبنان المختلة. ويستطيع لبنان حل ميليشيا حزب الله، والانخراط بسلام مع جيرانه، بما في ذلك إسرائيل، وإقرار سياسة الحياد الإقليمي. وإذا فعل جُل تلك الأمور، فسيكون لبنان في مكانة تمكنه من أن يصبح مركزًا إقليميًا للخدمات – مثل التعليم والرعاية الصحية والمصرفية، والاستفادة من جميع الموارد البشرية المدربة والماهرة.

وخلاف ذلك، يجب على البلاد الاستعداد لأيام أسوأ قادمة.

ومن المؤسف أن لبنان قد اختارت أو أُجبرت على اختيار أن تكون مثل “هانوي” في سبعينيات القرن الماضي، وتخوض حروب أبدية. وبدون سلام واستقرار، ولن تقدم المبادرات المالية والإصلاحات الإدارية سوى القليل. وإلى أن يغير لبنان مساره، سيكون مصير اقتصاده الفشل، تمامًا مثل اقتصاد رفقائه في حلفاء “المقاومة”، إيران وسوريا.

يعمل “حسين عبد الحسين مديرًا لصحيفة الراي الكويتية اليومية لدى معهد واشنطن، وزميل زائر سابق لدى المعهد الملكي في لندن.