هل يمكن لإسرائيل علاج خطوط الصدع الجديدة التي ظهرت في سياستها الداخلية؟

جوزيف دانا

AFP Photo: Menahem Kahana

أحد المظاهر التي غالبًا ما يتم التغاضي عنها في السياسة الإسرائيلية هي الافتقار التام للوحدة داخل النظام السياسي، ويعُد هذا بمثابة انعكاس للانقسامات العميقة التي تنتشر كالطاعون في المجتمع، وبالنسبة لدولة تحوي مهاجرين من خلفيات متنوعة وهويات دينية لا حصر لها، فإن هذا اللبس لا يعُد مفاجأة، وحتى مسألة تعريف من هو اليهودي ومن هو غير اليهودي بقيت دون حل، وتلك الاختلافات العميقة أحيانًا ما تظهر إلى السطح، وتلك المرة ظهرت مع فشل بنيامين نتنياهو في تشكيل الحكومة في أعقاب انتخابات إبريل.

وبعد الفوز الهزيل في الانتخابات؛ سعى نتنياهو إلى بناء تحالف تقليدي يمثل يمين الوسط، تلك العملية التي تتوقف على دعم وزير دفاعه السابق والرئيس الحالي لحزب “إسرائيل بيتنا” أفيجدور ليبرمان، لكن نتنياهو فشل في الحصول على موافقة ليبرمان، مما جعله بالتبعية يفشل في تأمين عدد المقاعد البرلمانية الذي يؤهله لتشكيل الحكومة وهو 61 مقعدًا، ولم يصبح أمام نتنياهو من خيار سوى العودة بالناخبين إلى صناديق الاقتراع، وقد أدى الفشل الذي شهدته العلاقة بين الطرفين إلى تسليط الضوء على الطريق الجديد الذي تسير فيه السياسة الإسرائيلية حيث باتت قضايا الأمن القومي – مثل عملية السلام بين العرب وإسرائيل تحتل مكانًا أقل أهمية فيما يخُص التحديات الداخلية، والتي لم يتم البت فيها منذ قيام دولة إسرائيل.

وما جعل ليبرمان ينأى بنفسه عن نتنياهو هو خلافهما حول مسألة تجنيد اليهود المتشددين من مواطني دولة إسرائيل ويُطلق عليهم (الحريديم).

وخلال الحقبة التي صاحبت قيام دولة إسرائيل؛ كانت المجتمعات اليهودية المتشددة في أوربا تتوخى الحذر تجاه الانتقال والعيش في الدولة الجديدة، والواقع أن البعض رفض بشكل قاطع فكرة الدولة اليهودية العلمانية، غير أن قادة الصهيونية اعتقدوا أن إضفاء الصبغة الدينية على اليهود سيساعدهم في توفير المزيد من الشرعية لمشروعات هؤلاء القادة، لذا فقد قاموا بإبرام صفقة كبرى حيث أقنعوا اليهود المتشددين بالهجرة إلى إسرائيل على وعد أن هؤلاء لن يقوموا بالانخراط في الخدمة العسكرية، وأنهم سيحصلون على مزايا أخرى ستسمح لهم بشكل عام بالتركيز على دراساتهم الدينية.

واليوم فإن مجتمعات الحريديم باتت من أكثر المجتمعات نموًا على مستوى دولة إسرائيل، وتشير التوقعات إلى أن ثلث الشعب الإسرائيلي سيكون من الحريديم بحلول العام 2065.

وبالنسبة لعموم الشعب فإن الخدمة العسكرية لها أهمية وطنية كبرى، لأنها تعُد من أهم أشكال المساواة في المجتمع الإسرائيلي، وعلى أي حال فإن طائفة الحريديم تدّعي أنها استثناء من المجتمع كقاعدة عامة، وعلى مدار السنوات العشر الماضية انتشرت الدعوات بشكل كبير لإخضاع الحريديم للخدمة العسكرية، مما جعل ليبرمان يقتنص تلك الفرصة ضد نتنياهو.

وهناك سبب يدفع بمجتمعات الحريديم للاستمرار في تجنُب الخدمة العسكرية، وهو أن ممثلي تلك الطائفة من الساسة باتوا من صناع القادة في التحالفات السياسية. في مقابل حصول حزب الليكود على دعم هؤلاء الساسة، وأن ساسة الحريديم لهم “علاقات طبيعية” مع حزب الليكود على حد وصف نتنياهو، أما الساسة العاديون فقد تركوا التشريع الخاص بتلك النقطة دون تغيير، علاوة على ذلك، فإن الجيش ليس لديه الحماس من أجل ضم مجندين من المجتمعات المتشددة، الذين يبدون ازدراء للتسلسل الهرمي العلماني.

لكن ما السبب الذي جعل تلك القضية تصبح في طليعة النقاش السياسي في الوقت الحالي؟، وليبرمان له تاريخ متلون في علاقاته مع القادة السياسيين للحريديم، وخلال العام الماضي عمد ليبرمان إلى التودد إلى العديد من الحاخامات ذوي النفوذ بمدينة القدس، وطلب منهم الإيعاز لمؤيديهم بالتصويت لحزبه في الانتخابات، ونتيجة لذلك؛ اعتقد الكثير من الإسرائيليين أن ليبرمان يستغل طائفة اليهود المتشددين (الحريديم) في الثأر بصورة سرية من نتنياهو، أو كأداة للحصول على مزيد من القوة، وبغضّ النظر عن اية اعتبارات؛ فإن الآلية السياسية الإسرائيلية قد تحولت وأشاحت بوجهها عن قضايا السلام والأمن.

وفي الماضي كانت المفاوضات الخاصة بالتحالفات تعتمد على القضايا ذات العلاقة باحتلال الضفة الغربية ونمو المستوطنات وعملية السلام بين العرب وإسرائيل، وفي الانتخابات الأخيرة فإن أحزاب اليسار التي عمدت إلى التركيز على تلك القضايا حصلت على 10 مقاعد فقط في البرلمان، ومعنى ذلك أن الإسرائيليين لم يعودوا يهتمون لقضايا السلام والأمن، وعوضًا عن ذلك فإن هؤلاء قاموا بالتركيز على الخط الفاصل بين تيار اليمين وتيار اليمين المتشدد.

والإسرائيليون، الذين يثقون في وضعهم بالمنطقة واقتصادهم القوي؛ يرون أن الوضع الراهن فيما يخُص الأمن والسلام بات أمرًا واقعًا أو بمثابة صفقة منتهية، حيث يوجد دونالد ترامب في البيت الأبيض كممثل رئيسي وفاعل خير للإسرائيليين، ويعطي لإسرائيل المزايا التي تريدها، ومن يستطيع إلقاء اللوم على المجتمع في تلك الظروف؟، لكن الأمر لا يتعلق فقط بتلك الحقيقة الجديدة؛ فإن الإبقاء على الوضع الراهن يمثل خطرًا على إسرائيل والفلسطينيين، بل أن ذلك من الممكن أن يؤدي إلى انقلاب داخلي خطير.

والواقع أن محاولات الدولة لصنع هوية إسرائيلية تتخطّى مسألة تنوع خلفيات الجماعات الموجودة في إسرائيل وتتوقف على وجود عدو خارجي، ويمكن للتيار العلماني في إسرائيل أن يدخل في صراع مع تيار اليهود المتشددين حول هوية دولة إسرائيل، لكن حين يكون العدو الخارجي حاضرًا ستتلاشى الخلافات بين التيارات الإسرائيلية، وفي دولة تشهد منح الحقوق والامتيازات بناء على اعتبارات دينية، ولا يوجد بها قرار صريح حول ماهية أعضاء الجماعات الدينية المسيطرة، تكون هناك حاجة ماسة للعثور على كبش فداء خارجي (وتلك تعد المعضلة الرئيسية بالنسبة للفلسطينيين).

وهذا هو ما يضفي الأهمية على الانتخابات الأخيرة سواء في نسختها الأولى أو في جولة الإعادة، وقد قام الإسرائيليون بتحويل النقاش السياسي إلى قضايا لا تتعلق بالصراع مع الفلسطينيين، الا انه ليس من الواضح إذا ما كان المجتمع الإسرائيلي مستعدًا لمواجهة الانقسامات الداخلية بصورة جدية، وهل يمكن لإسرائيل أن تعيش في سلام داخليًا على الأقل إذا لم يشعر الإسرائيليين أنهم يواجهون تهديدًا خارجيًا بشكل مستمر؟، ولا يمكن لأي من تلك العوامل أن تقدم تفسيرًا لتداعيات تلك المسألة على الفلسطينيين.

والواضح أن السياسة الفوضوية التي تم اتباعها أثناء تقديم مسودة قانون الحريديم أثبتت أن هناك الكثير من الموجات المتلاطمة في الأعماق، والتي لا تظهر إلى السطح، وأن تلك الموجات قوية للغاية.

يعيش جوزيف دانا بين جنوب إفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.