دروس في حقوق الإنسان يقدمها الأطفال

ريم تينا غزال

خلال يوم واحد من السنة، يتولى الأطفال تسيير الحكومة التركية ولو بشكل رمزي. ففي “يوم الطفولة والسيادة الوطنية” بتركيا، يترك الكبار مقاعدهم البرلمانية ويُمنح الأطفال مسؤولية “الحكم” خلال ذلك اليوم، وهو ما يعتبر بمثابة درس مفيد بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تضم أزيد من 28 مليون طفل بحاجة للمساعدات الإنسانية، وفقاً لمنظمة “اليونيسف”. ورغم أنه من الواضح أن البرلمانيين الصغار في أنقرة غير مخولين لوضع السياسات، إلا أن أصواتهم في هذا اليوم المهم تثير قضايا محورية تهم الرفاه الاجتماعي وتستحضر وعياً بحقوق الطفل المعترف بها دولياً والتي غالباً ما يتم تجاهلها على حساب جميع الأطراف.

وقد استخدم الصغار هذه السنة منصتهم من أجل التطرق لمواضيع تعتبر من أركان عالم الأطفال، مثل التعليم واللعب والفنون والعلوم والرياضة. بل إن بعض البرلمانيين الراديكاليين قد أثاروا الموضوع الشائك المتعلق بتوفير اختيارات أكثر في وجبات الغداء المدرسية.

لكن الحياة في تركيا، والمنطقة بشكل أوسع، لا تقتصر على المرح واللعب حتى بالنسبة للأطفال. وقد أظهر فاتح منتاس، الذي يدرس بالصف السادس ابتدائي والذي شغل منصب الرئيس رجب طيب أردوغان خلال هذا اليوم، وعياً عميقاً بمأساة الحرب في سوريا وراء الحدود الجنوبية لتركيا، والتي لا يجب أن يتعرض لها أي طفل، حيث قال: “سأعمل من أجل أن يشعر الأطفال السوريون بأنهم مرحب بهم، وسأدعوهم لمشاركتنا اللعب والابتسام”.

لقد عكس الصغير فاتح في جملة واحدة المعاناة التي يعيشها مئات الآلاف من الأطفال في الحرب الأهلية المستمرة في سوريا، بل يشعر المرء أن سياسات فاتح ستكون أفضل من تلك التي يضعها صناع القرار البالغون.

إن يوم الطفولة الذي تحتفل به تركيا يوم 23 أبريل راسخ في أسس الدولة الحديثة، حيث يرجع إعلانه إلى سنة 1923 عندما قام مصطفى كمال أتاتورك بإهداء الجمهورية المستقلة حديثاً للشباب. ويتم الاحتفال بيوم الطفل حول العالم في تواريخ مختلفة، حيث يحتفل بـ “اليوم العالمي للطفل” الذي أقرته منظمة الأمم المتحدة سنة 1954 في يوم 20 نوفمبر من أجل نشر الوعي الدولي بحقوق الطفل.

ويعرف هذا اليوم احتفالات تتضمن الألعاب والتنكر وكذلك أنشطة لتوعية الأطفال بحقوقهم بموجب “إعلان حقوق الطفل” الذي جاء اعتماده في صيغته الأصلية التي تم تحريرها سنة 1924 قبل إنشاء منظمة الأمم المتحدة، و”اتفاقية حقوق الطفل” التي تم اعتمادها سنة 1989، حيث تتضمن هذه الأخيرة ما يلي: “وإذ تقر بأن الطفل، كي تترعرع شخصيته ترعرعاً كاملاً ومتناسقاً، ينبغي أن ينشأ في بيئة عائلية في جو من السعادة والمحبة والتفاهم”.

كوني ترعرعت في الشرق الأوسط، فأنا بالتأكيد لا أتذكر أبداً قيام شخص ما بإعلامي، أو أي من زملائي، بحقوقنا بموجب القانون الدولي. بل على العكس، علمونا أن نطيع آباءنا وكل شخص في مركز سلطة، مثل الأساتذة ورجال الشرطة، وألا نناقش الأوامر. ولم أكتشف أن “السعادة” هي من بين الحقوق الأساسية لجميع الأطفال إلا عندما صرت بالغة.

وبالعودة لمناقشة النموذج التركي؛ تخيل ما قد يحدث لو قمنا بالفعل بالاستماع للأطفال وتمكينهم من أجل المساهمة في وضع السياسات التي تؤثر على حياتهم؟ بدل ذلك، نحن غالباً ما نستخف بأصواتهم ونتجاهل آراءهم.

لكن المنطقة تعرف مبادرات أخرى تعمل على الدفاع عن الأطفال وتمكينهم من أجل الدفاع عن أنفسهم. فقد قام الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، سنة 1997 بتأسيس “برلمان أطفال الشارقة”، والذي يُجري انتخابات ويعقد اجتماعات ويُصدر بيانات لوسائل الإعلام حول قضايا تهم الأطفال. وقد تناول أحد أحدث تقارير البرلمان مسألة الأمن الطرقي، وهي مشكلة مزمنة في الإمارات، حيث أوصى التقرير بإلزام الآباء بالتأكد من ارتداء أطفالهم لأحزمة الأمان.

وتعكس مثل هذه المخاوف المخاطر الحقيقية التي يعاني منها الصغار حتى في الظروف العادية. وقد أصدرت “اليونيسف” سنة 2010 تقريراً أشادت من خلاله بهذه المبادرة، مشيرة إلى أن البرلمانيين الصغار قد قاموا بمناقشة مواضيع مثل حقوق الطفل وأمنه، والشباب “في وضعية خطرة” وقضايا إعلامية تهم الأطفال بشكل عام.

وقد واصل الشيخ سلطان دفاعه عن حقوق الطفل سنة 2016 عندما أعلن أن الشارقة ستستضيف مقر “برلمان الطفل العربي” وأمانته العامة كما ستقدم لهما دعمها الكامل. وتعمل هذه المنصة التابعة لجامعة الدول العربية، والتي تم إنشاؤها كجزء من “اتفاقية حقوق الطفل”، على تمكين الأطفال من مناقشة أبرز المخاوف والمشاكل المزمنة في مجتمعاتهم. ما نأمله هو أن يكون هذا البرلمان أكثر فعالية من البرلمان العربي الحقيقي الذي يشغل البالغون مقاعده. وفي بداية الشهر الحالي، منحت “اليونيسيف” الشارقة لقب “مدينة صديقة للأطفال واليافعين”، اعترافاً بجهود الإمارة من أجل حماية وتعزيز حقوق الأطفال.

إن مثل هذه المحافل تلعب دوراً مهماً في التوعية بالتعقيدات والتحديات التي تتناولها الاتفاقية. حيث إن احتياجات الأطفال تشمل، على أقل تقدير، توفير المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يجب حمايتهم من العمل الإجباري والاتجار بالبشر والزواج بالقاصرين والتجنيد في القوات المسلحة في الدول التي تعيش صراعات متواصلة.

بحكم عملي كمراسلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإني قد عاينت انتهاكات مماثلة بصورة متكررة. وفي إحدى الحالات الصادمة، التقيت بلاجئ سوري صغير السن، قام برفع قميصه وأراني ندبة تمتد أسفل ظهره، حيث تعرض سابقاً للخطف والتخدير، وتم استئصال كليته لبيعها في سوق تجارة الأعضاء غير الشرعية، ولم يكن سن هذا الولد يتجاوز 10 سنوات.

إن مثل هذه الانتهاكات لن تتوقف، لذلك يتوجب توعية الأطفال بحقوقهم، شأنهم شأن الكبار الذين تسري سلطتهم ونفوذهم على هؤلاء الأطفال. وواقع الحال يقول إنه حتى في أكثر المجتمعات استقراراً، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بل في جميع أنحاء العالم، غالباً ما يفشل الكبار في حماية رفاه وحقوق الأطفال الموضوعين تحت رعايتهم.

AFP PHOTO/Zein Al RIFAI