الصين “تحطم” قطاعها التكنولوجي لبناء نموذج تجاري جديد

جوزيف دانا

AFP photo: Fred Dufour

شرعت الصين في اتخاذ إجراءات صارمة ضد شركات التكنولوجيا المحلية، وقد تسارعت وتيرة تلك الإجراءات خلال الأشهر القليلة الماضية، مما أثار حيرة البعض، وبدأت التكهنات حول دوافع وأسباب تلك الخطوات. ولكن التفسيرات التي قدمها الخبراء حتى الآن تشير إلى غياب الحنكة والدراية، إن تلك الحملة كبيرة الحجم ومن المحتمل أن تشكل نقلة نوعية، وسوف تعيد تعريف كلمة “تقدم” في عالم التكنولوجيا، وستصل تداعياتها إلى كل منحى من مناحي عالم التكنولوجيا. وعلى اقتصادات الشرق الأوسط أخذ هذه المستجدات بعين الاعتبار، خاصة وهي تأمل في تحسين مستوى قطاع التكنولوجيا لديها وأيضاً مد جسور الشراكة مع الشركات الصينية.

وفي الأشهر الأخيرة الماضية، أجبرت الحكومة الصينية العديد من الشركات الرائدة على اتخاذ قرارات تؤثر بشدة على سير عملياتها. وكان المثال الأكثر وضوحًا هو عندما ألغت بكين الاكتتاب العام الأولي لمجموعة “انت قروب” ودفعت مؤسسها السيد جاك ما إلى الاختفاء لعدة أسابيع. كما استهدفت الحكومة أيضًا شركات التكنولوجيا المالية وبدأت في إجراء تحقيقات لمكافحة الاحتكار في شركات مثل تنسنت وبايدو.

وقد خسر قطاع التكنولوجيا الصيني مليارات الدولارات من قيمته السوقية في شهر يوليو المنصرم، وبينما حاول المستثمرون فهم واستيعاب دوافع تلك القوانين والتنظيميات، خسرت شركات علي بابا وكوايشو و تنسنت (التي تمتلك ويتشات) مبلغ وقدره 344 مليار دولار من القيمة السوقية، وكثيراَ ما يشار إلى تلك الشركات بمسمى الإصدارات الصينية للشركات العالمية مثل أمازون ويوتيوب وفيسبوك.

وللوهلة الأولى، يبدو للناظر أن الصين تقوم بتفكيك قطاعها التكنولوجي، لكن لماذا تُقدم على مثل هذا الفعل؟ أليست هي أكبر مقلد تكنولوجي في العالم؟ فلماذا إذاً تهدم بيدها النسخ الصينية الجيدة لشركات التكنولوجيا الأكثر نجاحًا في الغرب؟

يعتقد محلل بلومبرج السيد نوه سميث مع غيره من المحللين إن الأمر مرتبط بقطاع التكنولوجيا العسكرية في الصين، فقد تدفقت الكثير من الموارد (بما في ذلك مهندسين ومبرمجين صينيين موهوبين) إلى قطاع التكنولوجيا الاستهلاكية، وعليه، قد تُفضل بكين إعادة توجيه تلك المواهب والإمكانيات البشرية نحو أهداف وغايات قومية عوضاً عن أهداف تجارية. ومن وجهة نظر سميث، أصبح الرابط بين القوة الجيوسياسية وقطاع الإنترنت الاستهلاكي “ضعيفًا جداً لدرجة يستحيل معه الاستمرار في ضخ رأس المال والعمالة عالية المهارة صوب الإنترنت الاستهلاكي. لذلك، تم اتخاذ القرار للحد من سُلطات تلك الشركات وقدرتها على استغلال تلك الموارد.

وقد يكون هناك شيء من الحقيقة في تلك النظرة، ولكنها نظرة مفرطة في التبسيط. فليس كل شيء مرتبط بالحرب والقوة العسكرية،

كما يعد ذلك فشل من جانب الغرب لفهم ما يجري مع الحكومة الصينية التي تدير تعداد سكاني قوامه 1.4 مليار شخص، حيث ينظر إلى سياسة الحكومة من منظور ضيق ومحصور في عدة زوايا، وهي الزاوية الأمنية والتنافسية والاقتصادية وأخيراً من منظور القضية التايوانية. وذلك المنظور ذو أفق ضيق، لدرجة أن قضية التبت لم تعد قضية محل اهتمام عالمي كما كانت في السابق، بعد أن حلت محلها قضية الأويغور في شينجيانغ.

وقد بدأ قطاع التكنولوجيا الاستهلاكية في الصين للتو بإحراز تقدم في الأسواق الناشئة حول العالم، ورغم إنه لا يزال مًتخلف عن ركب شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى، إلا إن الشركات الصينية حققت نجاحات كبيراً في أجزاء من آسيا وإفريقيا وأوروبا، بفضل حجم وعدد المواهب في مجال التكنولوجية التي تملكها، ويجب أن تكون الدولة قادرة على الاستثمار في احتياجاتها العسكرية مع السماح للشركات الربحية بالتطور بصورة طبيعية، أي أن الصين قادرة على المضي قدماً في كلا المسارين من دون أدنى تعارض.

وقد يكون التفسير الأفضل لحملة القمع تلك هو أن الحكومة الصينية لا ترى قيمة أو فائدة في بعض من تلك الشركات التكنلوجية التي تعمل على الهاء الناس من خلال تزويدهم بالترفيه الخالي من القيمة والمعنى. وتبقى الصين دولة يقودها الحزب الشيوعي الصيني، وهي دولة لا تزال ممزقة ما بين التقدم الاقتصادي وما بين ما تراه أنشطة برجوازية تافهة.

فعلى سبيل المثال، يخلق تطبيقات مثل تيك توك فائدة كبيرة للمعلنين وأرباح طائلة لأصحاب تلك التطبيقات، والخوارزميات التي تستعين بها شركات مثل بيت دانس ومالك شركة تيك توك هي خوارزمية في غاية القوة، لكن من الصعب القول إنها تخدم تقدم وازدهار المجتمع، بل من الأرجح أنها تستنزف طاقاته وإنتاجياته.

ولا يعني ذلك أن الحكومة الصينية تركز على التنوير الفكري لشعبها، فهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. وفي واقع الأمر إن القيادة الصينية معنية بالسلطة، ولا يبدو أن هذه المنصات الرقمية الاستهلاكية تقدم الكثير في مجال تعضيد وتقوية سلطاتها. وبدلاً من الاستثمار في المزيد من التكنولوجيا التي تركز على مقاطع الفيديو الخاصة بالقطط، فلماذا لا نستخدم تلك المواهب لتطوير الحوسبة الكمومية على سبيل المثال؟ لا يريد قادة الصين أن ينظر إليهم العالم على أنهم مقلدون للغرب، وقد شعروا بالإحباط لأنه على الرغم من التقدم الكبير والضخم في العلوم البحتة والتطبيقية، فإن البلاد تتعرض للسخرية باستمرار بسبب افتقارها إلى التطور العلمي والتكنولوجي وعنصر الخيال.

ولأن بكين لا هاجس لها حول ردة فعل المستهلكين الذين قد لا يرحبوا بما تقوم به، ويمكنها أخذ الموارد من قطاع التكنولوجيا بعد التعامل مع شيء من المعارضة أو بدون معارضة تذكر، فمن المحتمل أنها ستوجه الموارد لتحويل الإنجازات العلمية التي حققتها مختبراتها الجامعية إلى سلع تجارية. وبذلك، ستعيد كتابة ما أصبح يُفهم على أنه تقدم في عالم التكنولوجيا، والذي جسدته شركات كبرى في العقدين الأخيرين من أمثال أبل وقوقل وغيرها من شركات وادي السليكون.

ويعني ذلك في نهاية المطاف إعادة صياغة قواعد المنافسة، إن قوة شركات التكنولوجيا في “وادي السليكون” لا نظير لها على مر العصور، ولكن إذا أعادت الصين تعريف مصطلح التقدم في التكنولوجيا التجارية، فسيتعين على بقية قطاع التكنولوجيا في العالم أن يشدوا الهمم لمواجهة تناقص العائدات من مقاطع الفيديو الراقصة التي تبلغ مدتها 30 ثانية وألعاب الفيديو القتالية المختلفة، ناهيك عن السماح بنشر المعلومات المضللة باعتبارها جزء من حرية التعبير التي تدافع عنها شركات وسائل التواصل الاجتماعي.

ومع “تحطيم” الصين لقطاعها التكنولوجي لتحويل مركز الصناعة، ربما حان الوقت لبقية دول العالم لإدراك ما أدركته الحكومة الصينية، بما في ذلك اقتصادات دول الشرق الأوسط التي رأت مؤخرًا التكنولوجيا كبديل مربح لصناعاتها الاستخراجية، وهذا لا يعني تفكيك الشركات، ولكن بناء جسور حوار جديدة حول دور تكنولوجيا المستهلك في المجتمع. ربما تقوم الصين بإعادة تعريف مصطلح التقدم التكنولوجي في هذا العقد الجديد من القرن الحادي والعشرين.

جوزيف دانا هو كبير المحررين في اكسبوننشال فيو، وهي نشرة إخبارية أسبوعية عن التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع. وشغل سابقًا منصب رئيس تحرير “امريج 85” وهو مختبر يستكشف التغيير في الأسواق الناشئة وتأثيره العالمي.