“مبادرة الحزام والطريق” بين مخاوف وآمال دول الشرق الأوسط

جوزيف دانا

تقوم الصين حالياً ببناء كيان اقتصادي مناوئ لذلك التابع للدول الغربية الذي تحكّم في الاقتصاد العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ونجاح الصين في هذا المشروع من عدمه هو مسألة محل نقاش، لكن هناك حقيقة لا شك فيها، وهي أن “مبادرة الحزام والطريق” الصينية ستكون بمثابة تحوّل هام يشهده النظام الاقتصادي العالمي، وذلك سيترك أثراً تأثير كبيرً على الشرق الأوسط ، سواء كان إيجابيا أو سلبيا.

وتحت قيادة الرئيس “شي جين بينغ” شرعت بكين في “مبادرة الحزام والطريق” بهدف بناء البنية التحتية اللازمة لتحويل التدفقات التجارية العالمية باتجاه الصين، وفكرة تلك المبادرة بسيطة للغاية، حيث اتجهت الصين إلى الدول النامية وعرضت عليها إنشاء مبانٍ تحتية هامة مثل السكك الحديدية والطرق البريّة والموانئ، على أن تشارك الصين في تلك المشروعات بتقديم العمالة والتمويل، وستكون تلك المشروعات بمثابة نواة لشبكة نقل بريّة وبحرية ضخمة، حيث أن جميع طرق تلك الشبكة ستؤدي إلى بكين، كما أن الدول التي ستشارك في تلك المبادرة ستجد نفسها غارقة في الديون.

والواقع أن “مبادرة الحزام والطريق” تحمل الخير كما تحمل الأخطار إلى منطقة الشرق الأوسط، ويعتمد هذا على طبيعة القرارات التي سيتم اتخاذها، فدول الخليج على سبيل المثال من الممكن لها أن تستفيد من الأنشطة الاقتصادية الصينية في المنطقة، فمبادرة الحزام والطريق ستعمل على تسهيل تجارة النفط بين الصين ودول الخليج العربي، وكذا فإن تلك المبادرة من الممكن أن تكون بمثابة القوة الدافعة للوصول للتكامُل في مجال الطاقة على مستوى المنطقة، وتأسيس مشروعات استراتيجية ضخمة لأمن الطاقة مثل مراكز التخزين، كما أن الشراكة الاقتصادية بين الصين ودول الخليج ستحد من النفوذ الإيراني في وسط وجنوب آسيا.

والأمر يختلف بالنسبة للدول النامية في منطقة الشرق الأوسط، فبالنسبة لتلك الدول ستتحوّل الصين عبر تلك المبادرة إلى مُصدِّر لرأس المال، وأصبح  لها مصلحة استراتيجية في حماية مشروعاتها خارج الحدود الصينية، وبينما تتزايد الطموحات الصينية في المنطقة، فإن بعض الاقتصاديات النامية باتت تعتمد إلى حد كبير على الأسواق والصادرات الصينية، وهذا يثير تساؤلاً حول السيادة التي تتمتّع بها الدول المدينة للصين.

والاستثمارات الصينية في مصر هي خير دليل على ذلك، ففي شهر مارس الماضي قامت مصر بتوقيع عقد مع الصين تقوم بمقتضاه الأخيرة بتمويل 85% من قيمة مشروع بناء قسم من أقسام العاصمة الإدارية، وهو المشروع الذي تبلُغ قيمته ثلاثة مليارات دولار، وهذا المشروع يُعد أحد المشروعات التي يقوم بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لبناء مناطق جديدة بالعاصمة الإدارية، وبالنسبة للصين فإن هذا المشروع يُعد مكسباً لها بدرجة هائلة، فالبنوك الصينية ستحصل على فوائد القروض لمدة 10 سنوات، كما أن العمالة الصينية سيتم شحنها إلى مصر من أجل إنجاز السواد الأعظم من المشروع، والحقيقة أن قيام مصر باستقدام عمالة أجنبية لتنفيذ مشروعات للبنية التحتية في بلد يُعاني من البطالة هو أمر خطير للغاية.

والحقيقة أن تصدير الديون والعمالة يُعد من أهم سمات السياسة الصينية، ففي باكستان؛ التي تعُد شريكاً تجارياً رئيسياً للعديد من دول الخليج، يوجد العديد من المخاوف بسبب خدمة الدين الخاص بمشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي تبلُغ قيمته 55 مليار دولار، وهو المشروع الذي يهدف إلى الربط بين ميناء جوادر الباكستاني الذي يقع بإقليم بلوشستان ويطل على البحر العربي وبين مدينة كاشغر الواقعة غربي الصين، وهذا المشروع سيؤدي إلى زيادة الديون وانخفاض عائدات الصادرات وزيادة العجز في الميزانية الباكستانية، حيث أن هناك مخاوف من قُدرة باكستان على سداد تلك الديون للصين.

والواقع أن هناك عدة نقاط من الممكن أن تكون مثاراً للنزاع ومنها السيادة على ميناء جوادر، ووضع محور الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني وتأثير ذلك على مضيق هرمز، وخلال العام الحالي أعلنت الصين عن نيتها إنشاء قاعدة للأسطول الصيني بالقرب من ميناء جوادر، وستكون تلك القاعدة هي ثاني القواعد البحرية الصينية خارج حدود البلاد بعد القاعدة التي تم تأسيسها في جيبوتي.

والموقف أكثر خطورة بالنسبة لدولة سريلانكا، التي تعُد نسبة الديون التي تثقل كاهلها قياساً على الناتج القومي من أعلى النِسب في المنطقة، وبسبب عدم مقدرتها على سداد الديون للصين؛ فقد قامت حكومة سريلانكا بتسليم أكبر موانئ البلاد إلى بكين، وهو الميناء الذي يحتل موقعاً استراتيجياً على المحيط الهندي ويربط أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط بقارة آسيا، و يُعد هذا الميناء هو الأهم بالنسبة للصين فيما يتعلّق بطموحاتها البحرية في إطار مبادرة الحزام والطريق، والأهم هو أن استيلاء الصين على الميناء سيكون بمثابة مقدمة لتطورات أخرى قادمة.

وفي إفريقيا، هناك مشروعات مُشابهة من الممكن أن تؤدي إلى الانتقاص من سيادة بعض الدول النامية المدينة للصين، فهناك مشروع خط السكك الحديدة الذي يبلُغ طوله 757 كم ليربط بين أديس أبابا وجيبوتي، وهو المشروع الذي انطلق في أكتوبر من العام 2016 بتكلفة بلغت 3.4 مليار دولار؛ ما يعادل 25 رُبع ميزانية دولة إثيوبيا البالغة 13.9 مليار دولار، وشكَل التمويل الصيني 85% من حصة إثيوبيا و70% من حصة جيبوتي، حيث قام بنك الاستيراد والتصدير الصيني بتقديم قروض لكل من إثيوبيا وجيبوتي.

وهناك مشروع خط السكك الحديدية مومباسا-نيروبي بطول 472 كم الذي انطلق في مايو من العام 2017، و يُعد أكبر مشروع للبنية التحتية يتم إنشائه على الأراضي الكينية منذ استقلال البلاد، وتبلُغ تكلفة المشروع 3.8 مليار دولار، وتم الحصول على 90% من تكلفة المشروع عبر قرض من بنك الاستيراد والتصدير الصيني، أما العشرة بالمائة الباقية فقد تكفّلت بها الحكومة الكينية.

والحقيقة أن النهج الصيني في التعامُل خلال جميع الأمثلة التي ذكرناها تم وضعه بناء على حسابات لعبة طويلة الأمد ترمي إلى بسط النفوذ الصيني وتقوية تحالفات بكين مع الخارج، ويظهر ذلك في طبيعة القروض التي تقدمها الصين، حيث أن ضمانات تلك القروض تتمثّل في عدد من الأصول والأملاك التي سيكون لها قيمة كبيرة على المدى الطويل، بدلاً من البحث عن المكاسب التجارية السريعة.

وبالنسبة لدول الشرق الأوسط، فإن النفوذ الصيني يعُد سلاحاً ذو حديّن، فبينما تحتاج بعض الدول لرأس المال الصيني من أجل تنفيذ المشروعات، فإن التفريط في السيادة على مشروعات البنية التحتية سينتج عنه المزيد من التحديات التي تواجه المنطقة، والواقع أن دول الخليج، بما لها من ثقل اقتصادي في المنطقة، تستطيع بالاتفاق مع بكين ضمان إيجابية التدخُل الصيني في المنطقة، وألا يكون هذا التدخُل بادرة على طموحات استعمارية جديدة لدى الصين.

FP PHOTO/Yasuyoshi CHIBA