يمكن للاقتصادات الدائرية مساعدتنا على تحقيق الأهداف المناخية

Paul Sullivan

Image courtesy of Luis Acosta / AFP

تحتدم المناقشات وخطط العمل بشأن التغيرات المناخية في جميع أنحاء العالم، من تطبيق اتفاقية باريس من قبل مختلف البلدان إلى انتشار السيارات الكهربائية ومصادر الطاقة المتجددة، وقد أصبحت الدول والمستهلكون جادون بشأن موضوع المناخ. وبينما تخطو البشرية في مسارات جديدة لحل مشكلة التغيرات المناخية، تحظى نماذج الاقتصاد الدائري باهتمام جاد من صانعي السياسات والمخططين الحضريين. وفي حين أنها قد لا تكون فكرة جديدة، إلا أن لدى النموذج الاقتصادي الدائري إمكانات كبيرة كوسيلة مهمة للحد من تحديات المناخ.

ويختلف الاقتصاد الدائري بشكل كبير عن الاقتصاد الخطي، والأخير هو الأكثر شيوعًا بين دول العالم المتقدم، والاقتصاد الخطي هو عندما يتم، على سبيل المثال، استخراج المعادن والمواد الخام الأخرى من الأرض، ثم تصنيع منتج من تلك المواد، وعندما يصبح المنتج قديمًا أو غير صالح للاستعمال، أو إذا ما مل المستهلك منه، يتم إلقاؤه في سلة المهملات ونقله إلى مكب النفايات.

وهنا يختلف الاقتصاد الدائري عن الاقتصاد الخطي، حيث تُستخرج المعادن والمواد الخام الأخرى من باطن الأرض ثم يصنع منها منتج معين، ولكن لا يتم التخلص من المنتج كما هو الحال مع الاقتصاد الخطي، ولكن يتم إعادة استخدامه، وإصلاحه، وتجديده، وإذا لم يتم ذلك، فسيتم إعادة تدوير المواد المستخدمة في صنع المنتج. وتتمثل الأهداف في الاستمرار في استخدام النفايات التي تم اعتبارها مسبقًا كمدخلات للإنتاج والاستمرار في استخدام المنتج الأصلي حتى الوصول إلى الاستفادة القصوى من المنتج عن طريق التجديد وإعادة الاستخدام والإصلاح.

وللنموذج الاقتصادي الدائري فوائد واضحة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتغيرات المناخية والبيئة، ولنأخذ الحقائق التالية على سبيل المثال: يدمر التلوث البلاستيكي المحيطات والأراضي، وتلوث الهواء يقتل الملايين من الناس سنويًا، ونهدر ما نسبته 30 إلى 40 في المئة من الطعام في العالم بينما يتضور من الجوع أعداد هائلة من البشر. وهناك انعدام للأمن الغذائي حتى في أغنى البلدان، كما نهدر حوالي 60-70 بالمائة من الطاقة التي نضعها في أنظمتنا، فضلاً عن إهدار كميات هائلة من الماء وكميات هائلة من المعادن والفلزات.

وهناك ما يقدر بنحو 57 مليار دولار من النفايات الإلكترونية القابلة للاسترداد في مكبات النفايات حول العالم، ويدمر البشر التربة لزراعة المحاصيل الغذائية وغيرها من المحاصيل في جميع أنحاء العالم، وهذه مجرد بداية للنفايات الضخمة التي ننتجها ولا نستخدمها لأغراض إنتاجية جيدة، كما نهدر في عالم غالبًا ما يتم تعريفه بعالم خالي من الموارد، وبعد الهدر لا نعيد تدوير ما نُهدره.

والحل الواضح للنفايات الضخمة وعدم استخدام النفايات هو التطوير الإضافي للاقتصاديات الدائرية، وقد لا تروق تلك الفكرة للأشخاص الذين يريدون ملابس جديدة فقط ولن يشعروا بالراحة من ارتداء الملابس القديمة والمستعملة، حتى لو تم تنظيفها بصورة احترافيه. وعالم الموضة هو صناعة قائمة على الهدر بشكل مذهل وله “مواسم” من موضات الملابس التي سرعان ما تنتهي وتحل محلها موضة جديدة. كما يفضل الكثير الحصول على أحدث أجهزة “آيفون” بدلاً من استخدام الهاتف القديم لفترة طويلة. والأهم من ذلك، هو أن فكرة التخطيط لتبديل القديم بالجديد هي الفكرة التي تدمر الاقتصادات الدائرية.

ومع ذلك، فقد اعتدنا على إعادة الاستخدام وإعادة التدوير في العديد من جوانب حياتنا، فنحن نستأجر غرف الفنادق التي تم استخدامها من قبل أشخاص آخرين، ونؤجر السيارات التي يستخدمها الآخرون، ونستخدم الأواني في المطاعم التي استخدمها الكثير من الناس، كما يشتري الكثير منا منازل مستخدمة، ثم نقوم بإصلاحها وتجديدها. إن الاقتصاد القائم على إعادة الاستخدام والإصلاح والتجديد هو جزء من حياتنا اليومية، لكن الناس لا ينظرون إليه من ذلك المنظور.

والاقتصاد الدائري هو أكثر بكثير من مجرد إعادة استخدام المنتجات وإصلاحها وإعادة تدويرها وتجديدها، وهو أكثر بكثير من مجرد تقليل استخدامات مواردنا. وكل عنصر من تلك العناصر السابقة هو جزء لا يتجزأ من الاقتصاد الدائري، لكن يجب عمل كل ذلك ليكون لدينا اقتصاد دائري فعلي، كما نحتاج إلى ربط تلك العناصر بعضها ببعض، فالاقتصاد الدائري هو نظام داخل أنظمة متداخلة وقائم على أنظمة والتي يتم ربطها بأنظمة أخرى ودائرة متكررة من الموارد والمنتجات، ومن الازم غلق تلك الدوائر.

إن تطوير اقتصاد دائري قائم على الكربون هو مثال واضح لما يمكن تحقيقه من خلال تكامل أكبر للاقتصادات الدائرية في جميع أنحاء العالم، وتعتبر المملكة العربية السعودية، وتحديداً “أرامكو” وهي أكبر شركة نفط في العالم ومركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)، من المؤيدين لاقتصاديات الكربون الدائري. وتدعم المبادرة السعودية الخضراء اقتصادات الكربون الدائرية، وهي إحدى الطرق التي يستخدمها كبار منتجي ومصدري النفط والغاز لمساعدة أنفسهم على البقاء في الساحة لفترة أطول في ظل التحولات القادمة للطاقة، وذلك من خلال التركيز على اقتصاديات الكربون الدائرية. ويمكنهم وضع إستراتيجيات لتقليل وإعادة تدوير وإعادة استخدام ثاني أكسيد الكربون، ولا يشكل الكربون مصدر للخطر، ولكن السماح له بالتدفق بلا رقابة إلى الغلاف الجوي هو الخطر الأكبر، ونحن نضيع فرصة كبيرة لاستخدام ثاني أكسيد الكربون الذي تم استعادته في صنع مواد البناء، وسوائل التنظيف، والوقود، وأكثر من ذلك بكثير بعد التقاطه وعزله ومعالجته.

والمياه هي قضية مهمة أخرى في دول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الشرق الأوسط، وتتمثل إحدى طرق زيادة إمدادات المياه في إعادة تدوير المياه المستخدمة، حتى مياه الصرف الصحي. وتنتشر ظاهرة هدر الطعام بصورة كبيرة في دول مجلس التعاون الخليجي، ويرجع الكثير من ذلك إلى الاستهلاك المفرط، وهو ما يتعارض مع روح الاقتصاد الدائري. ويمكن إعادة استخدام بعض الأطعمة المُهدرة لتغذية الحيوانات أو استخدامها كسماد، وهناك استخدامات عديدة للطعام المهدر، وعليه، فلماذا نرمي المهملات؟

وإذا طور العالم اقتصاديات دائرية كاملة وفعالة، فسيمكنها التقليل بشكل كبير من استخدام الموارد، وسيمكنها إعادة استخدام النفايات، وإطالة عمر واستخدام المنتج، وربط دورات النفايات بدورات المنتج، كما سيمكنها محاكاة الطبيعة التي لا تُهدر شيئًا قط.

 

الدكتور بول سوليفان هو زميل أول غير مقيم في مركز الطاقة العالمي التابع للمجلس الأطلسي، وباحث مشارك أول في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.