التغير المناخي يمثل تهديدًا للعالم حتى قبل ظهور فيروس كورونا، وسيظل يمثل تهديدًا بعد القضاء على الفيروس

جوناثان جرونال

AP Photo: Haidar Mohammed Ali

هل تتذكّر التغير المناخي، تلك الأزمة الوجودية الرهيبة التي تهدد العرق البشري والكون بأكمله؟ ربما لا تتذكّر شيئًا عن ذلك الأمر، وبعد كل هذا فإن الغالب الأعم منا كل ما يشغل تفكيره بشكل متصاعد هو التهديد الجديد الذي يمثله فيروس كورونا (كوفيد-19) وكيف يمكن تفادي الإصابة بهذا الوباء، وما يمكن أن نفعله حال الإصابة بالوباء، وكيف يمكن أن ننجو من عملية الانهيار الاقتصادي التي باتت شبه محتومة خاصة عقب إغلاق المحال والمدارس وتوقف حركة الطيران والرعب الذي أصاب أسواق البورصة.

ولا يوجد مكان الآن في التغطية الإخبارية العالمية لعناوين حول ذوبان جليد القطبين الشمالي والجنوبي أو ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون، وقد كان هناك القليل من التغطية الإخبارية التي يُرثى لها، حين حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش من أن الحكومات على مستوى العالم أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك عجزها عن مواجهة أزمتين رئيسيتين في وقت واحد.

وقد كان جوتيريش يتحدث في نيويورك في العاشر من مارس، وجاء ذلك خلال الإعلان عن أحدث التقارير السنوية عن حالة المناخ الصادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهو التقرير الذي شمل مجموعة متنوعة من الرسائل التي تدعو للتشاؤم، والتي كانت ستأخذ طريقها إلى قمة الأجندة الإخبارية في أي وقت آخر بخلاف الوقت الحالي، وملخص التقرير يقول : على الرغم من الخطط الجيدة التي تم وضعها والتعهدات التي أعلنتها الحكومات على مستوى العالم، إلا أن ظاهرة ارتفاع درجة حرارة الأرض باتت أسرع من ذي قبل، والعام الماضي تم تسجيله على أنه ثاني أكثر الأعوام حرارة، كما أن الأعوام العشرة الماضية كانت الأكثر حرارة على مدار التاريخ البشري.

وتركيز غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي باتت في أعلى مستوياتها منذ 3 ملايين عام، وحينها كانت درجة حرارة الأرض أعلى بقيمة 3 درجات أما مستوى البحر فقد كان مرتفعًا بقيمة 15 مترًا. ومستوى درجة حرارة المحيطات على مستوى العالم بلغ رقمًا قياسيًا كما أن درجة الحرارة مستمرة في الارتفاع، وحتى لو لم تقم منظمة الصحة العالمية بقطع الشك باليقين عبر الإعلان عن فيروس كورونا كوباء، من الواضح أن قادة العالم لا زالوا عاجزين عن أخذ مسألة التغير المناخي مأخذ الجد.

وقال جوتيريش خلال قمة نيويورك: “لا يوجد وقت لدينا إذا ما كنا نريد تفادي كارثة التغير المناخي، إن العام الحالي هو عام حاسم فيما يخص مواجهتنا للأزمة الطارئة الخاصة بالتغير المناخي، نحتاج من الدول أن تبرهن على أن باستطاعتنا خلال العقد الحالي تقليل الانبعاثات بنسبة 45% عما كانت عليه في العام 2010، وأن نقضي على الانبعاثات بشكل تام بحلول منتصف القرن الحالي”. وكما قال جوتيريش عدة مرات في السابق هذا هو الحل الوحيد كي نستطيع تقليل درجة حرارة الأرض بقيمة 1.5 درجة مئوية، لكن الخطر يكمن في أن فيروس كورونا وبالإضافة إلى أنه يسبب ارتفاع درجة حرارة عدد ضخم من سكان العالم فإنه يساهم في رفع درجة حرارة الأرض.

  وأضاف جوتيريش: “كل من فيروس كورونا والتغير المناخي يعُد بذاته مشكلة خطيرة، وكلاهما يستوجب ردود فعل حاسمة من الحكومات والمؤسسات مثل الأمم المتحدة والأفراد، وهاتين المشكلتين يجب القضاء عليهما، لكن كان هناك تمييز في التعامل مع الأزمتين وهو ما يجب أن تتذكره الحكومات على مدار الأشهُر القادمة، وباختصار فإن فيروس كورونا (كوفيد-19) هو أزمة مؤقتة ستنتهي بمرور الوقت، لكن أزمة التغير المناخي يعود تاريخها لسنوات طويلة وسوف تستمر لعشرات السنين، كما أنها تتطلّب منا عملًا لا ينقطع”.

 وهذا ليس تهوينًا من شأن فيروس كورونا الذي يهدد فعليًا بالقضاء على آلاف البشر، لكنه عبارة عن أزمة ستمُر، ولو سمحنا لهذا الوباء بصرف انتباهنا عن قضية التغير المناخي فإن سكان العالم الآن وفي المستقبل سيتعرضون لخطر شديد، وكما أكّد جوتيريش فإن :”من المهم ألا يؤدي تركيز الانتباه على مكافحة فيروس كورونا إلى دفعنا لننسى حاجتنا لهزيمة ظاهرة التغير المناخي”.

وقد أكدت الأمم المتحدة عدة مرّات على أن العام 2020 سيكون حاسمًا فيما يخص معركتنا ضد التغير المناخي، وكانت هناك أمال ضخمة معلقة على الأطراف المشاركة في مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرون للتغير المناخي، والذي كان مقررًا انعقاده في مدينة جلاسجو؛ اسكتلندا في نوفمبر القادم، وكان هناك أكثر من 30 ألف مشارك في المؤتمر المزمع من جميع أنحاء العالم، وكان من المتوقع أن تكشف الدول خلال المؤتمر عن خطط محددة للقضاء على الكربون بحلول العام 2050، وقد أعلنت الأمم المتحدة أن هذا المؤتمر يعُد بمثابة فرصة أخيرة لإنقاذ كوكب الأرض.

وبما أن فيروس كورونا أسفر عن وضع قيود على حركة الملاحة الجوية، فقد بات الفيروس قادرًا على إفساد مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرون للتغير المناخي، ومن ثم تحطيم الآمال في وجود رد فعل دولي موحد تجاه أزمة التغير المناخي، وذلك على الرغم من مناشدة جوتيريش للحكومات بضرورة: “أن تلزم تلك الحكومات ذاتها بالتعامل مع فيروس كورونا والتغير المناخي بذات الإرادة السياسية القوية”.

والغريب أن طول فترة انتشار الفيروس معناه إلغاء المزيد من رحلات الطيران، مما يعُد تأكيدًا على إسهام رحلات الطيران في التغير المناخي، كما أن الباحثين على مستوى العالم سيستفيدون من هذا التطور الغير متوقع الذي سيوفر لهم بيانات حية لا تقدر بثمن وإلى الآن لا يمكن تعريفها بشكل تقريبي إلا عبر تصميمات الكمبيوتر.

لكن وكما أكّد جوتيريش لا يجب علينا إنتاج الكثير من الانبعاثات بعد تخفيض نسبتها لبضعة أشهُر، نحن لن نحارب التغير المناخي باستخدام الفيروس.

والواقع أن العالم الآن بات يقاتل على جبهتين ضد عدوين مختلفين للغاية، وكل منهما يحصد أرواح البشر وسيحصد المزيد من الأرواح، لكن إذا ما واجهنا فيروس كورونا المدمر الذي يستمر تهديده على المدى القصير، سوف يؤثر ذلك على التزامنا بخوض معركة ضد التغير المناخي على المدى الطويل، وتحقيق النصر على فيروس عابر ربما يتبين بعد ذلك أنه لا يستحق كل تلك الضجة.

 

جوناثان جورنال هو صحفي بريطاني، كان يعمل سابقًا بمجلة “تايم”، وقد أقام وعمل بمنطقة الشرق الأوسط، وهو الآن مقيم في المملكة المتحدة.