لا يزال الفحم العقبة الأكبر في مواجهة إيقاف التغير المناخي

جوناثان جرونال

AFP Photo John Macdougall

بعد الأزمات التي شهدتها الدول بسبب فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، والتنافس لإنعاش الاقتصادات التي على وشك الانهيار، تلاشى أي أمل لتعافي البيئة بشكل دائم. ففي شهر أيار/ مايو الماضي، توقعت وكالة الطاقة الدولية أن يشهد عام 2020 انخفاضًا قدره “8%” في انبعاثات الكربون العالمية، بالإضافة إلى إنهاء أزمة الفيروس الطلب على الوقود الأحفوري تقريبًا. ومنذ ذلك الحين، تبين أنه بالرغم من الانخفاض الفعلي لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، على سبيل المثال، بمقدار الربع في ذروة الإغلاق العالمي، إلا أن الإنتاج اليومي قد عاد الآن إلى حدود “5%” من المعدل الطبيعي – ويرتفع بوتيرة أسرع مما قد تخيله أي شخص.

ويبدو أن وكالة الطاقة الدولية ذاتها قد تخلت عن أمانيها. وتشير تقديراتها إلى أن الحكومات ستنفق مبلغ “9” تريليون دولار أمريكي على مدى الأشهر القادمة على الاقتصادات الناشئة، ومن المحتمل، بمقتضى الضرورة على المدى القصير، أن يتم استثمار قدر ضئيل جدًا من تلك الأموال في مشاريع الطاقة المتجددة. كما أقرت الوكالة بأن التوقعات الخاصة بوصول العالم إلى ذروة النفط “مبالغ فيها”. وفي الواقع، من المرجح أن يزداد الطلب على النفط والغاز بمعدلات قياسية خلال العام المقبل.

بيد أن زيادة إنتاج النفط ليست العقبة الوحيدة أمام تحقيق أهداف التغير المناخي، وليست  العقبة الأكثر صعوبة في واقع الأمر.

قبل ظهور النفط، كان الفحم هو مصدر الطاقة الرئيسي. وكان ذلك المنتج الأسود القذر هو من دعم الثورة الصناعية، وأصاب المدن ومواطنيها بالاختناق، ووضع الكوكب على طريق أزمة المناخ التي يشهدها العالم اليوم. ورغم ذلك، من الخطأ الفادح الاعتقاد بأن عصر الفحم قد انتهى. فاليوم، مازال الفحم يشكل أكبر مصدر منفرد للكهرباء في العالم، حيث ولد “38%” من إجمالي الطاقة في عام 2018.

والصين هي أكبر مستخدم للفحم حتى الآن. فقد كان نصيب الصين من بين 1.8 مليون ميجا وات من الطاقة العالمية الناتجة عن الفحم في عام 2019 حوالي “1” مليون ميجا وات، وهو أكثر من نصيب بقية دول العالم أجمعها من الطاقة .

وتعد الصين هي مصنع العالم لثلاثة أسباب: تمتلك عدد هائل من العمالة الرخيصة، وقوانين عمل متهاونة، واحتياطيات هائلة من الفحم سهل الاستخراج من المناجم. وفي عام 2019، أنتجت الصين “60%” من الطاقة عن طريق الفحم. ويقول المتخصصون في تحليل علوم المناخ لدى موقع “Carbon Brief”، أن المعجزة الاقتصادية في الصين “قد بنيت على طفرة في إنتاج الطاقة من الفحم، مما يعني أن الصين أصبحت أيضًا وبلا مقارنة أكبر منتج للكربون الملوث في العالم.”

لا يقع اللوم في هذا الأمر على الصين وحدها. فالفحم هو السر العالمي الصغير والقذر. يوجد حاليًا 2485 محطة فحم قيد التشغيل في جميع أنحاء العالم، فضلاً عن تجهيز أكثر من 560 محطة للعمل. وتعتبر الهند هي المنافس الأقرب للصين، حيث تمتلك “294” محطة فحم توفر ثلاثة أرباع الكهرباء بالدولة، إضافة إلى 60 محطة أخرى  في خطوط الأنابيب. ومن المنافسين أيضًا الولايات المتحدة الأمريكية التي تدير 280 محطة فحم، ولكنها على الأقل لا تخطط لبناء محطات جديدة. وحتى دولة الإمارات العربية المتحدة تشيد أول مصنع للفحم. وبحلول الوقت الذي يتم فيه تشغيل مصنع “حسيان” للطاقة في دبي في عام 2023، ستصل الكهرباء إلى “250” ألف منزل.

تكمن مشكلة الفحم في توافره بكثرة وسهولة الوصول عليه. حيث يوجد “1,1” تريليون طن من احتياطيات الفحم المؤكدة في جميع أنحاء العالم، وهو ما يكفي لحوالي 150 عامًا – وما يعادل ثلاثة أضعاف مخزون النفط والغاز المتاح في العالم.

وتقضي رابطة الفحم العالمية الكثير من الوقت في الحديث عما تسميه “السبيل لجعل نسبة انبعاثات الفحم صفرًا”. إلا أن هذا الأمر يتطلب تقنيتين غير مكتملتين حتى الآن، وهما: الكفاءة العالية، والانبعاثات المنخفضة (HELE)، واحتجاز الكربون واستخدماه وتخزينه (CCUS). وتقول رابطة الفحم العالمية أن كلتا التقنيتين “ضروريتين لتلبية احتياجات الطاقة، وأهدافنا المناخية.” ولسوء الحظ، لن يكون لأي منهما أي تأثير ملموس على الاحتباس الحراري العالمي قبل فوات الأوان.

تتمثل وظيفة تقنيات الكفاءة العالية والانبعاثات المنخفضة “HELE” في زيادة كمية الطاقة التي يمكن استخراجها من وحدة الفحم. وبالرغم من  توفر هذه التقنية، إلا أنه من المكلف جدًا تطبيقها بأثر رجعي، كما أنها لا تستخدم على نطاق واسع.

كما أن تقنية احتجاز الكربون وتخزينه (CCUS) بعيدة كل البعد عن أن تصبح حقيقة ذات معنى. حيث تقر رابطة الفحم العالمية بأن ثمة بطء شديد في انتشار “تقنية احتجاز الكربون وتخزينه (CCUS)، وهذا يحول دون تحقيق أهداف خفض الانبعاثات الضرورية”. ووفقًا للمعهد العالمي لاحتجاز الكربون وتخزينه، وهو مركز أبحاث لتسريع تطبيق تقنية احتجاز الكربون وتخزينه، لا يتم تشغيل سوى تسع عشرة “19” منشأة كبيرة على مستوى العالم، وتحتجز تلك المنشئات أقل من “0,1%” من إجمالي انبعاثات الكربون.

ومن أهم مصانع الطاقة مصنع “بيترا نوفا” للفحم في ولاية تكساس  ومصنع الإمارات لصناعات الصلب التابع لشركة بترول أبوظبي الوطنية، غير أن الكربون الذي يستخرجانه لا يتم تخزينه بأمان تحت الأرض، بل يتم حقنه في خزانات النفط التي يصعب الوصول إليها، مما يطلق العنان لمزيد من الوقود الأحفوري. وهذا ما يدعو للسخرية.

وكما تبين من الجائحة، فإن الطريقة الوحيدة الفعالة لإبطاء التغير المناخي بالسرعة الكافية هي خفض الاستهلاك العالمي للطاقة. ومن سوء الحظ أن كل وسائل حياتنا اليومية تخالف هذا الهدف؛ ذلك أن نجاح كل شركة ومدينة ودولة يعتمد على النمو والتوسع المستمر. وتعتمد المجتمعات الاستهلاكية على استهلاك الأشياء، بدءًا من مواد التنظيف المنزلية وأثاث الحدائق وصولاً إلى الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، واليوم يأتي جزء كبير من هذه الأشياء من الصين المتعطشة للفحم.

وإذا كان بإمكاننا اقتراح طريقة مفيدة، في المرة التالية التي تتسوق فيها عبر الإنترنت تخيل أن فرنًا يعمل بالفحم يخرج إلى النور في مدينة صينية بعيدة عندما تنقر على زر “الشراء الآن”. لأنه عندما تنتعش الاقتصادات حتميًا، من المؤكد أن المصانع في الصين ستضاعف جهدها لتلبية الطلب العالمي، وسيزداد حرق الفحم نتيجة هذا الانتعاش الاقتصادي.

 

جونثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل في وقت سابق لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.