إريتريا وجيبوتي والصومال: سياسة خارجية يطبعها التناقض والتقلب

هيفاء المعشي

يجمع بين دول إريتريا وجيبوتي والصومال عدد من القواسم المشتركة منها خط ساحلي طويل تتقاسمه هذه البلدان، وسياسات خارجية متشابهة من الناحية البنيوية، وهدف رئيسي واحد، والمتمثل في ضمان بقاء النظام القائم في كل منها. ومع ذلك فإن العلاقات الثنائية بين هذه البلدان الثلاثة، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي، تكاد تكون منعدمة رغم المخاوف الأمنية والمصالح المشتركة التي لا مفر منها.

إن الاختلال الوظيفي الحاصل في القرن الإفريقي مشكلة إقليمية وجيو-سياسية، وهذا راجع بشكل رئيسي إلى كون الدول الثلاث تطل على الجزء الجنوبي من البحر الأحمر وخليج عدن، ومضيق باب المندب الذي يربط بينهما. فهذا الموقع الجيو-استراتيجي ساهم في تبني هذه الدول الثلاث لسياسات خارجية مزدوجة – بل وأحياناً مراوغة ­– وتبدو في كثير من الأحيان متقلبة داخلياً. وفي محيط يتسم بانعدام الاستقرار، مثل هذه التقلبات تفتح المجال أمام مزيد من الصراعات، خاصة فيما يتعلق بتعميق التنافر والتباري بين دول الخليج وإيران وإسرائيل.

من المعلوم أن العقدين الماضيين شهدا بروز تعقيدات أمنية حقيقية في المنطقة، كانت لها تداعيات هامة على الساحة البحرية على وجه الخصوص. فقد تضررت الدول الثلاث من انتشار القرصنة والإرهاب وتهريب الأسلحة والبشر. وإذا كانت التحالفات المؤقتة بين الفاعلين الإقليميين والمجتمع الدولي قد مكنت من احتواء بعض من هذه التهديدات، فإن اندلاع الحرب في اليمن سنة 2015 قد أدى إلى اتساع رقعة انعدام الاستقرار في المنطقة، بما شمل جر الفاعلين الحكوميين إلى الأعمال العدائية.

وقد دفعت هذه الأوضاع الخطيرة الدول الثلاث إلى تبني سياسات مزدوجة كآليات دفاعية تهدف إلى الحيلولة دون وقوعهم تحت سيطرة قوة عظمى. وتعتبر إريتريا المثال الأوضح لهذه الممارسات المزدوجة التي نهجتها الدول الثلاث. فالرؤية السياسية للرئيس أسياس أفورقي تعتمد بشكل رئيسي على حساباته المتعلقة بالمكاسب القصيرة الأمد وقدرته على البقاء في السلطة على المدى الطويل.

وتبرز هذه الاستراتيجية بوضوح من خلال علاقات الدولة مع إيران وإسرائيل المتعاديتين، سواء تعلق الأمر بالعلاقات الدبلوماسية أو العسكرية أو الاقتصادية. فكلا البلدين قد اضطلعا بأدوار مهمة في دعم إريتريا عسكرياً من خلال تمويل مشتريات الأسلحة والتدريبات العسكرية. وكان لكليهما وجود في الجزر الإريترية في البحر الأحمر، كأرخبيل دهلك وجزيرة فاطمة، أثناء النزاع اليمني-الإريتري حول أرخبيل حنيش في أواسط تسعينات القرن الماضي، وأثناء الصراعات الحوثية في اليمن الممتدة من 2004 إلى 2011. ولا تزال الشكوك حول طبيعة دوريهما في هذه الجزر قائمة حتى اليوم.

بعد أن اندلعت الحرب المفتوحة في اليمن، غيرت إريتريا موقفها من خلال نسج علاقات جديدة مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، وذلك دون قطع علاقاتها السابقة. كما كانت قطر حاضرة أيضاً، حيث تمركزت قواتها على الحدود بين إريتريا وجيبوتي في بداية عام 2010، علماً بأن الأزمة بين التحالف السعودي-الإماراتي وقطر قد أدت إلى خروج هذه القوات من تلك المنطقة. إلا أنه ورغم الوجود الحالي القوي لكل من السعودية والإمارات، خصوصاً في ميناء عصب، لا تزال علاقات إريتريا المتعددة مع الدول المنافسة في ازدهار.

من جهتها، اتبعت جيبوتي مقاربة أكثر منهجية، حيث تسعى منذ حصولها على الاستقلال إلى الاستفادة من موقعها الاستراتيجي المطل على مضيق باب المندب لتصبح محوراً إقليمياً ودولياً، غير أنها قد أقامت علاقات متوازية بين دول متنافسة كالإمارات وإيران. ولعل ما يبرز نجاح استراتيجية جيبوتي، هو أنها حولت ميناءها إلى حاضنة عسكرية بدلاً من حاضنة اقتصادية، وذلك في إطار سعيها الحثيث إلى جذب قواعد عسكرية متعددة إلى أراضيها.

وبالرغم من اعتماد السياسة الخارجية الجيبوتية إلى اليوم على البعد الدبلوماسي، قد تكون للعسكرة المكثفة الجارية حالياً تداعيات أمنية خطيرة مستقبلاً. وقد بدا هذا الخطر جلياً في سنة 2011 حين تم التعاون بين إيران وجيبوتي عسكرياً بشكل غير معلن، وقد شمل ذلك مشاركة القوات البحرية الجيبوتية. وما يزيد من تفاقم الوضع هو تصاعد المعارضة الداخلية ضد استضافة القواعد العسكرية الأجنبية، الأمر الذي قد يؤثر على السياسات الداخلية والخارجية للدولة. ولعل قرار إنهاء عقد إيجار “موانئ دبي العالمية” في محطة حاويات “دوراليه” بعد سنوات من المشاحنة – والذي ألغى عمليات الشركة الإماراتية التي جرى تطويرها منذ سنة 2006 – يعكس الأجندات المتناقضة لدولة جيبوتي.

بطبيعة الحال، تعيش الصومال ظروفاً خاصة نظراً للتحديات الأمنية المزمنة التي تواجهها، ولكن هذا الوضع الهش يعكس أيضاً السياسات المتناقضة التي تتبعها الدولة في التعامل مع القوى الإقليمية المنافسة لها. وعموماً، فقد ساهم انقسام البلاد الناتج عن منطقتي بونتلاند وأرض الصومال المستقلتين بحكم الواقع في تأجيج الصراعات. كما يُعد التهديد الأمني الذي تمثله حركة “الشباب” الإرهابية عاملاً رئيسياً في هذا الوضع، حيث وجدت مقديشو نفسها مضطرة للاعتماد على الولايات المتحدة و”بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال”، إلا أنه من المقرر انسحاب هذه الأخيرة في 2020.

بيد أنه عقب انتخابات سنة 2017، رأى معظم المراقبين أن الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس محمد عبد الله محمد تَعتبر قطر هي الدولة الراعية الرئيسية لها، ما يضع الصومال في قلب التجاذبات الخليجية بعد القطيعة التي شهدتها السنة الفارطة.

هذا وتقوم شركة تركية بإدارة ميناء مقديشو، وهو أمر له تداعيات جلية على خلفية العلاقات القائمة بين أنقرة والدوحة، في حين أبرمت شركات إماراتية عقوداً بمئات ملايين الدولارات لتشغيل ميناءي بونتلاند وأرض الصومال، فيما اقتنت إثيوبيا بعد ذلك حصة في نفس هذه المنشأة الأخيرة. وقد اعترضت مقديشو التي تدعي أنها تتخذ موقفاً “محايداً” من الأزمة الخليجية على صفقة أرض الصومال معتبرةً إياها انتهاكاً لسيادتها، ويمثل هذا تحولاً في موقفها السابق تجاه كل من الإمارات وإثيوبيا.

وتبقى المسألة التي يجب إدراكها هي أنه، في كل الحالات، تبقى سياسات كل من إريتريا وجيبوتي والصومال سياسات دفاعية، ناتجة عن ضرورات آنية. إن كلاً من هذه الحكومات تعمل على تحقيق هدف واحد على المدى الطويل بدرجات متفاوتة من النجاح، ألا وهو البقاء في السلطة أطول مدة ممكنة.

AFP PHOTO/ERIC CABANIS