هل يتسبب الحجر الصحي لفيروس كورونا في ظهور شكسبير جديد؟

ريم تينا غزال

AFP Photo: Leon Neal

هناك حديث منسوب للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) يقول فيه :”إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها”، وسواء كان هذا الحديث صحيح  أم ضعيف فقد برهن على  أن فكرة الحجر الصحي ليست بجديدة.

وفي الماضي كان الناس الذين يعانون من الأمراض غالبًا ما يتم نفيهم إلى الجُزُر أو الأماكن التي يصعب الوصول إليها، ويتم عزلهم بالقوة عن باقي المجتمع، وبعض كبار السن يتذكرون كيف جرت العادة على إرسال الذين يعانون مرضًا شديدًا إلى منطقة أم سقيم التي تعج بالنشاط  وتقع في دبي،  وقال لي بحار إماراتي في السبعينات من العمر: “لو أنك مرضت بمرض عجز الطبيب العادي عن التعامل معه سينتهي بك الحال في أم سقيم”، وتلك المنطقة لها نصيب من اسمها حيث أن كلمة “سقيم” تشير إلى الشخص الذي يعاني من داء غير معروف.

ومع ذلك وبغضّ النظر عن العزل الذي كان يتم في الماضي، فإن المحنة الشديدة الحالية قد نتج عنها بعض أشكال الخير، ويجب أن يحدونا الأمل في ظهور بعض السلوكيات الإيجابية من خضم مأساة انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19).

وأحد المظاهر الإيجابية والمثيرة للإعجاب والتي نتجت عن القيود التي فُرِضت علينا بسبب انتشار فيروس كورونا، هو عودة التأمل الذاتي، وأصبح لدى الناس الوقت والفرصة لعمل أشياء كانوا “مشغولين للغاية” عنها حتى الآن، والحجر الصحي الإجباري من الممكن أن يكون منطلقًا لنشاط هائل. وفي بداية القرن السابع عشر انتشر وباء الطاعون الدبلي مما أجبر المسارح في لندن على إغلاق أبوابها، وهذا الأمر سمح لشكسبير – الروائي الرائع الذي يكتب باللغة الإنجليزية – بالتركيز على الكتابة، مما حدا به لتأليف مجموعة من أشهر أعماله – “الملك لير” و”ماكبث” و”أنطونيو وكليوباترا”، ويقال إن شكسبير قام بتأليف رواية “هاملت” بعد وفاة ابنه الوحيد هامنت جراء إصابته بالطاعون وكان يبلُغ من العمر حينها 11 عامًا.

 وفي القرن الرابع عشر تأثر أحد أكبر الكتاب العرب وهو ابن خلدون بشدة جراء الصدمة المدمرة التي نتجت عن الطاعون الأسود، الذي راح ضحيته أبويه ومجموعة من معلميه، وكان ابن خلدون يبلغ من العمر حينها 17 عامًا.

وكتب ابن خلدون قائلًا: “قضى هذا الوباء على الكثير من المظاهر الحضارية الجميلة ومحاها من الوجود، وبدا الأمر وكأن صوت الحياة على الكوكب قد طلب أن يٌنسى ويتم حصاره، وأن العالم قد استجاب للنداء”.

هل هناك وصفًا أكثر حدة لهذا الدمار الهائل الذي أصاب العالم؟.

وفي العام 1348 قدّم المؤرخ السوري ابن الوردي وصفًا مؤثرًا للطاعون الذي اجتاح الصين والهند وبلاد فارس وشبه جزيرة القرم وغزة وبيروت، والذي دمّر مظاهر الإنسانية في القاهرة قبل أن يصل إلى دمشق.

وكتب ابن الوردي قائلًا :”بدا الطاعون وكأنه أسد جالس على العرش يفتخر بقوته، وبلغ عدد ضحاياه في اليوم الواحد 1000 إنسان أو يزيد وكان يقضي على السكان، ويمكن لك أن ترى أمراء حلب وهُم متفرغون لدراسة الكتب الطبية، وكافح هؤلاء الوباء عبر تناول الطعام الجاف والحمضيات… وقدّم الأطباء العلاج للمرضى من أجل تحسين ظروف الحياة، وعمد الناس إلى تعطير المنازل باستخدام الكافور والزهور والصندل، وقاموا بارتداء خواتم حمراء اللون، وأضافوا إلى طعامهم اليومي البصل والخل وسمك السردين، وطلبنا المغفرة من الله عما اقترفه السفهاء منا، وكنا على يقين من أن الطاعون ما هو إلا عقاب من الله، ويقول البعض إن فساد الهواء يقتل الناس، أما أنا فأقول إن الميل للفساد هو الذي يقتل”.

وقد راح ابن الوردي ذاته ضحية للطاعون الأسود في العام 1349.

واليوم علينا أن نتذكّر أن ماري شيلي بدأت في تأليف رواية “فرانكنشتاين” في العام 1816 حينما أجبرها الطقس السيء على ملازمة بيتها لأيام. لذا هل يمكن للعزل الإجباري أن يؤدي إلى ظهور كاتب جديد رائع؟. ومنصة أمازون على شبكة الإنترنت تعج بالكتب المنشورة ذاتيًا، والناشرين ووكلاء الأدباء يقولون إنهم يستقبلون كم هائل من الكتابات منذ فرض الحجر الصحي الإجباري، وربما يكن من بين تلك الكتابات تحفة مذهلة، وربما يعمل شخص ما الآن على إنتاج عملًا أدبيًا رائعًا.

والواقع أن الذين لا يقرأون عادة بات لديهم شغف بالقراءة بعد تطبيق الحجر الصحي، وهناك آخرون لم يكن لديهم الوقت أو الرغبة في ممارسة الهوايات وصاروا يمارسون هواية صنع المنتجات اليدوية. وقد أجبرتنا تلك الأزمة على تغيير حياتنا العادية، لذا فإن هناك المزيد من النتائج الجيدة لتلك الأزمة، ولكن هل يؤدي هذا الأمر إلى تحول ثابت ومستمر في عقليات البشر؟، وربما يرحب الناس بتلك الفرصة لأجل إعادة حبال الود مع العائلة وإعادة تقييم الأمور الهامة، لكن هل يستمر هذا الأمر؟.

وتصاعدت الحملات التي ترمي إلى “تحية الأطقم الطبية”، حيث يجتمع الناس في الحدائق والشرفات في أوقات محددة للتصفيق بشكل جماعي للأطباء وأطقم التمريض الذين يعتبرون خط دفاعنا الأول أمام المرض. وعرض الشباب على جيرانهم من كبار السن الذهاب إلى محال البقالة بدلًا منهم، وأمسك الأصدقاء والأقارب بالهاتف أخيرًا للقيام بعمل ينوون القيام به منذ أمد طويل وهو السؤال على بعضهم البعض، وبدأت الطبيعة تستعيد عافيتها من الأضرار التي تسبّب فيها الإنسان، وفي قلب المأساة هناك وميض من الحب والأمل، وفي بعض الأحيان تؤدي لفتة بسيطة إلى إحداث تغيير كبير.

وبالطبع فإن الصورة ليست وردية للغاية، فهناك أشخاص ستجدهم في حالة إنكار لما يحدث، وهم انفسهم الذين يتجاهلون قاعدة ترك مسافة تبلُغ مترين بين الأشخاص، وستجد هؤلاء الذين يرفضون البقاء في الحجر الصحي أو الذهاب للفحص على الرغم من أن الأمر يتطلّب ذلك، بمعنى أدق ستجد هؤلاء الذين يتصرفون دون مسؤولية.

وربما يكون فيروس كورونا هو الدرس الذي نحتاج جميعًا أن نتعلمه، لنصبح أكثر حكمة وعطفًا على الغير، وربما يظهر من بيننا شكسبير جديد.

 

ريم تينا غزال صحفية فازت بالعديد من الجوائز، وفي العام 2003 باتت إحدى أولى النساء العربيات اللاتي يقمن بتغطية مناطق الحروب في الشرق الأوسط