فيروس “كوفيد-19″، والاقتراحات المتحفظة في ضوء البيانات المطمئنة

جوناثان جرونال

AFP Photo: Samuel Corum / Getty Images

أدركت معظم حكومات العالم منذ فترة قريبة أنه في ظل عدم توافر لقاح أو علاج مضاد للفيروسات، فإن التباعد الاجتماعي بات أفضل وسيلة أمام البشرية للوقاية من فيروس “كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة”، “كوفيد-19”.

وفي الوقت نفسه، بات الكثير من ثلث سكان العالم الخاضعين الآن لحالة الإغلاق مستهلكين للبيانات بشغف وتزايد، ويبحثون عن بصيص أمل وسط هذا الكم الهائل من الإحصاءات اليومية. قد تكون الإحصائيات غير جديرة بالاهتمام، ومن الممكن تحريفها أو فهمها بصورة خاطئة. وإذا أردنا حقًا معرفة مدى نجاحنا في هذا الصراع بين الحياة والموت، فنحن بحاجة إلى الرجوع الى الماضي.
ولحسن الحظ، هناك من يبذل قصارى جهده لصالح البشرية، مثل منظمة “Our World in Data”، وهو تعاون عبر الإنترنت بين الباحثين في جامعة أكسفورد، والمنظمة البحثية غير الربحية “Global Data Data Lab”، ومجتمع عالمي من العلماء الذين يكرسون أنفسهم لتمكين الجميع

من الاطلاع على البيانات والأبحاث المتعلقة بأخطر المشاكل التي يواجهها العالم.
وبالطبع هناك عقبات في ظل الإحصائيات المتوفرة عن فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” – ذلك أن المعلومات المتوفرة عن حالات الإصابة تكون فقط لمن أثبتت الفحوصات إصابتهم، وهي فحوصات غير متوافقة مع المعايير العالمية. ومع ذلك، وفي ضوء التوجهات العالمية، من غير المرجح وبشدة أن يؤدي إدراج الحالات غير المعروفة حاليًا إلى تعطيل الأنماط التي نراها.
إذًا، ما دلالة تلك الأنماط؟

توضح البيانات الصادرة عن المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض والوقاية منها، ويحللها منظمة “Our World in Data”، أن ثمة، كما في 14 أبريل، 1.873.265 حالة إصابة مؤكدة بالعدوى حول العالم. وعلى الرغم من هذا الرقم الصادم، فإنه في حد ذاته لا يشير إلى المصير الذي ينتظرنا. ويبقى

العامل الحاسم هو المدة التي سيتضاعف خلالها عدد الإصابات حول العالم.
وفي 2 أبريل، بلغ عدد الإصابات بفيروس كورونا “928.490” حالة، مما يعني أنه بحلول 14 أبريل تضاعف هذا الرقم خلال “12” يومًا – وتلك أخبار جيدة نسبيًا. وإذا ظل معدل التضاعف هذا ثابتًا، فسنراقب النمو الرأسي، والذي يولد أعدادًا كبيرة جدًا في وقت قصيرٍ جدًا. فعلى سبيل المثال، نفترض أن بلدًا بها “500” حالة مصابة بفيروس كورونا، فإذا تضاعف هذا الرقم باستمرار كل ثلاثة أيام، على سبيل المثال، فسيبلغ عدد الحالات المصابة، خلال شهر أو أكثر بقليل، أكثر من مليون حالة.
ومع ذلك، هناك الآن تباطؤ كبير في سرعة تضاعف عدد الإصابات العالمية. واستغرقت عملية التضاعف الأخيرة “12” يومًا، في حين أن عدد الإصابات تضاعف خلال سبعة أيام، من 26 مارس إل 2 أبريل، لتكون “936,098” إصابة من “468.049” إصابة.

ويتضح من خلال تلك الأرقام الهامة أن فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” لن يتكاثر، وهو أمل يمكن تحقيقه – بجانب التأكيد على فعالية الإغلاق العالمي.
إن معدل التضاعف العالمي هو أيضًا مؤشر جيد، ومن خلاله يمكن قياس تقدم الدول الفردية. وبالنظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، مع وصول عدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد إلى 582،594 حالة، ومعدل التضاعف عشرة “10” أيام كما في 14 أبريل، نجد أنها متأخرة قليلاً عن المنحنى العالمي، لكنها لا تزال تتحسن – حيث كان الوقت المستغرق للتضاعف في نهاية مارس أربعة أيام فقط.

وبالمثل، يتبين من تحليل معدلات التضاعف في 14 أبريل أن فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” يضرب بشدة دولتي إيطاليا وإيران، حيث بلغ الوقت المستغرق لتضاعف الإصابات “19” و”16″ يومًا على التوالي، وتلك المعدلات أفضل من دول أخرى مثل المملكة المتحدة (حيث تتضاعف الحالات كل تسعة “9” أيام) والهند (سبعة أيام) وروسيا (خمسة أيام).
إن النظر إلى انتشار فيروس كورونا من خلال منشور “التضاعف” يقدم لنا أيضًا صورة مثيرة للاهتمام عن تقدم دول الخليج.

ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، بلغ عدد الحالات المسجلة بالفيروس في 14 أبريل “4,521” حالة، أي زيادة عن نصف هذا العدد خلال سبعة أيام كما في “7” أبريل. وعلى الرغم من أن معدل التضاعف لا يزال أسرع من المعدل العالمي البالغ 12 يومًا، إلا أنه يمثل تحسنًا؛ ففي 7 أبريل، كان معدل الإصابات يتضاعف كل ثلاثة أيام.

ومن المثير للاهتمام – وربما يعكس وحدة الأسلوب – تشابهت جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست في نموذج الإصابات بالفيروس كما في “14” أبريل، ففي عمان، تضاعف عدد الإصابات إلى “813” حالة في سبعة “7” أيام، بينما تضاعفت الإصابات في قطر (3231 حالة) والمملكة العربية السعودية (4.934) والكويت (1.300) في ثمانية “8” أيام. وفي البحرين، تضاعفت الحالات في عشرة “10” أيام مسجلة “1.361” إصابة.

ويأتي الأمل أيضَا في بيانات الوفيات. ففي الثامن “8” من أبريل، بلغ عدد الوفيات العالمية المسجلة يوميًا ذروته عند 7412 وفاة. وفي 14 أبريل، أي بعد أقل من أسبوع، كان ثمة 5.341 حالة وفاة مؤكدة، بانخفاض قدره 28 ٪ تقريبًا. وشهدت دولاً بعينها انخفاضًا في عدد الوفيات، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث انخفضت ذروة الوفيات من 1.961 حالة وفاة في 11 أبريل إلى 1.624 حالة وفاة في 14 أبريل، والمملكة المتحدة وإسبانيا وإيطاليا.

قد يكون تزايد إجمالي عدد الإصابات اليومية مشهدًا محبطًا. ولكن في مثل هذه الأوقات، قد تكون البيانات، بشرط أن تكون صحيحة، مصدر قوتنا. وطالما أن عدد الأيام اللازمة ليتضاعف عدد الإصابات في زيادة مستمرة، وهناك تراجع في عدد الوفيات اليومية، فإننا ننتصر حقًا على هذا الفيروس، ولكن ببطء.

وفي الصين، البؤرة الأولى للجائحة، استغرق الأمر ما لا يقل عن 64 يومًا حتى يتضاعف العدد الإجمالي التراكمي الحالي البالغ 83303 حالة منذ 10 فبراير، مع زيادة تكاد تكون معدومة منذ السادس والعشرين “26” من مارس.

وعندما يلحق العالم بهذا النوع من التقدم، فحينها سنشعر بانفراجه. وحتى ذلك الحين، وعلى الرغم من أن المزيد والمزيد من الدول بدأت في اتخاذ خطوات مؤقتة نحو تخفيف الإغلاق لصالح الانتعاش الاقتصادي، تخبرنا البيانات بشيء آخر حيوي.

إن الإغلاق والتباعد الاجتماعي الصارم وسائل ناجحة وفعالة، وفي حالة عدم وجود علاجات أو لقاحات، يبقى هذا الإجراء هو الشيء الوحيد الذي يحول بين تعرض العالم لمأساة ذات أبعاد لا يمكن تصورها. ومن مصلحة الجميع أن يصطف خلف هذا الحارس ولا يتزحزح عنه قبل أن تضح الأمور.

 

جونثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل سابقًا لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.