توزيع لقاح فيروس كورونا يجب ألا يعمِّق الانقسام بين “الشمال العالمي” و”الجنوب العالمي”

أفشين مولافي

AFP photo: Win McNamee

يبدو أن السباق لإنتاج العديد من اللقاحات لفيروس كورونا المُستَجَد (كوفيد-19) أوشك على نهايته، لكن لا يوجد وقت للاحتفال بالفوز؛ فسيبدأ سباق جديد لتوفير اللقاح للعالم، ويبدو أن السرعة صارت سيدة الموقف، وقد أظهرت شركات الأدوية، التي تنافست على إنتاج اللقاح، سرعةً فائقة وتعاونًا يُثير الإعجاب وكفاءة استثنائية. والآن، وبعد أن أدى العُلماء دورهم، يُصبح السؤال هو: كيف سنُوَزِّع هذا العدد المحدود من اللقاحات على العالم كله بإنصاف؟

يكمن الخطر في أن توزيع اللقاح سيكشف عن الانقسامات الموجودة بين من يملكون اللقاح ومن لا يملكونه على مستوى العالم، وسيُعجِّل بظهور تلك الانقسامات. أدَّت الجائحة، على أي حال، إلى تعجيل ظهور الانقسامات الناجمة عن عدم المُساواة في جميع دول العالم. فكانت الدول الأشد فقرًا والدول الضعيفة ومُتوسطة الدخل هي الأكثر تضرُرًا؛ لم يكن سُكان تلك الدول من سُعداء الحظ الذين يُمكنهم إكمال عملهم عبر برنامج “زوم”. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن هناك ما يصل إلى 150 مليون شخص قد يسقطون في براثن الفقر المدقع خلال عام 2021– وهو أول ارتفاع تشهده أعداد الفقراء على مدار 20 عامًا.

علاوة على ذلك؛ فالأشخاص الذين تركوا الطبقة الفقيرة في آسيا وأفريقيا ليُصبِحوا من أبناء الطبقة تحت المتوسطة غير المُستقرة ما لبِثوا أن وقعوا في براثن الفقر المُدقَع مُجددًا. وفي نفس الوقت، حافظ العاملون في المجال المعرفي عبر برنامج زوم على وظائفهم أثناء مُتابعتهم زيادة حافظاتهم الاستثمارية لسبب غير مفهوم رغم انتشار الجائحة في العالم كله. كما تمكنَّت العائلات الأكثر ثراءً في الدول المتقدمة من الوصول إلى خدمات النِطاق العريض للبرامج المُتاحة على شبكة الإنترنت، وتوفير التعليم المُتميز اللازم لأطفالهم للحفاظ على معايير التعليم في ظل إغلاق المدارس، بينما شَهِد الآخرون تخلُف أطفالهم عن الركب.

لا يزال أمام تلك اللقاحات طريق طويل قبل أن تُعيد الإحساس بالحياة الطبيعية، رغم أن ضرر تلك الجائحة سيستمر لعشرات السنين. أما السؤال الرئيسي الآخر فهو: أي “العالَمَين” سيُنقَذ أولًا؟

وفقًا لما ذكره زميلي هال براندز، الأستاذ بكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز في عمود الرأي المنشور بمجلة بلومبرج؛ فإننا قد نواجه موقفًا صعبًا بنهاية عام 2021، “وحينها سيكون فيروس كورونا صار أقل تهديدًا في مُعظم الدول الغنية والمتقدمة– التي تستخدم قوتها الاقتصادية لتأمين المُستلزمات الأولى من اللقاح- بينما يزداد حِدةً في دول العالم الثالث”

أعلن ” التحالف الشعبي للقاحات” أنه مع نهاية العام القادم، سيحصل على اللِقاح شخص واحد فقط من كل عشرة أشخاص في 67 دولة، وأشار التحالف أيضًا إلى أن 14% من سكان العالم –مُعظمهم من دول العالم الغربي ذات الاقتصادات المُتطورة- قد اشتروا بالفعل أكثر من نصف اللقاحات التي أنتجتها الشركات الكبرى.

ويسري لقاح فايزر-بيونتيك بالفعل، والذي تصل درجة فاعليته إلى 95%، في أوردة الأطقم الطبية العاملة في الخطوط الأمامية بالولايات المتحدة، وكذلك كبار السن في المملكة المتحدة. وتعهدت شركة فايزر بتوفير 100 مليون جرعة من اللقاح للولايات المتحدة، وبحلول نهاية عام 2021 ستكون شريحة كبيرة من سُكان الولايات المُتحدة قد تلقت هذا اللقاح. وستكون البلاد قد قطعت شوطًا كبيرًا في اكتساب مناعة القطيع. كما ستشهد أوروبا جهودًا مُماثلة لتلقي التطعيم الجماعي على مدار العام، لذا، من المتوقّع أن تُصبح الانقسامات التقليدية بين “دول الغرب” و”سائر دول العالم” أكثر وضوحًا.

 وعلى الجانب الآخر، نجحت العديد من دول العالم الثالث (الجنوب العالمي) في مواجهة الجائحة؛ ولاسيما فيتنام وتايوان والإمارات العربية المتحدة، بينما تعثرت العديد من الدول المُتقدمة في أوروبا وأمريكا الشمالية (الشمال العالمي). وقد تكون تلك الدول الأصغر ذات الأنظمة الحاكمة الناجحة مثل سنغافورة أو تايوان أو الإمارات في موقف أفضل من الدول الغربية الكبرى، نظرًا لأن العدد المطلوب لتوفير اللِقاح لكافة سُكان تلك الدول الصغيرة أقل كثيرًا من العدد المطلوب في الدول الكُبرى، فضلًا عن أنظمة الرعاية الصحية في تلك الدول الصُغرى وأنظمتها الحاكمة قد أثبتوا مهارتهم في مواجهة الجائحة. وقد صنَّف “مؤشر الاستجابة العالمية للأمراض المعدية” المُقام في أستراليا تلك الدول الثلاث ضمن أفضل عشرة دول على مستوى العالم فيما يتعلّق بمواجهتهم لفيروس كورونا.

لكن ماذا عن تلك المساحات الشاسعة التي تضررت بشدة من الجائحة في قارات أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية؟ هل ينجح أفضل لقاحين صينيين مُرشحين -سينوفارم وسينوفاك- في إنقاذ تلك المناطق؟، وضعت الصين بالفعل عِدة أهداف طموحة ترمي إلى توفير اللقاح للعالم كله. وأعلنت شركة سينوفارم أن بمقدورها إنتاج ما يصل إلى مليار جرعة من اللقاح خلال العام القادم، وهناك شركات صينية أخرى واعدة يمكنها توفير ثلاثة مليارات جرعة إضافية للأسواق العالمية.

يحتاج اللقاحان الأمريكيان، فايزر ومودرنا، إلى التخزين في أجواء شديدة البرودة وإلى سلاسل توريد مُعقَّدَة. وبالتالي يُصبح كِلا اللقاحين غير مناسبين للتوزيع على نطاق واسع في أنحاء دول العالم النامي حتى لو استطاعت تلك الدول تحمُّل ارتفاع أسعارهما. مما يترك الدول النامية أمام الاختيار بين اللقاح الروسي “سبوتنيك V” أو أحد اللقاحَين الصينيَين، أو لقاح آسترازينيكا الذي من المُنتَظَر أن يكون لقاحًا “في مُتناول جميع من في أنحاء العالم”.

والواقع أننا بحلول منتصف عام 2021 قد نشهد الانقسام الشديد بين “من يملكون” اللقاح و “من لا يملكونه”. حيث ستكون الدول الأكثر ثراءً في الغرب والدول الأكثر تقدُمًا واستقرارًا في آسيا وأمريكا اللاتينية قد نجحت في توفير اللقاح لقطاعات عريضة من شعوبها، بينما سيكون على سائر الدول الأخرى أن تنتظر دورها بكل بساطة.

وقد حصلت سينوفارم الصينية على دفعة قوية فيما يتعلق بالعلاقات العامة العالمية حينما وافقت الإمارات على توفير هذا اللقاح للشعب الإماراتي، وذلك بعد أن أثبتت التجارب فاعليته بنسبة 86%. ونظرًا لأن دول العالم النامي تنظر إلى الإمارات باعتبارها من الدول التي تتمتع بسياسة حكم رشيدة ومُؤسسات فعَّالة، ومن ثمَّ فإجازة الإمارات لهذا اللقاح من شأنها أن تُرسل رسالة إلى الدول النامية مفادها أن لقاح سينوفارم آمن وفعال.

والدرس الواضح المُستَمَد من هذا السباق التاريخي لإنتاج اللقاح، هو قوة التعاون العلمي والوطني عبر الحدود. وتزداد حاجتنا الماسة إلى روح التعاون هذه لتوزيع اللقاحات المختلفة، فلن نتحمل رؤية الانقسام الموجود بالفعل بين الدول وهو يتعمّق، على النِطاق الأخلاقي والسياسي والاقتصادي، وبالتالي، فالنجاح في توزيع تلك اللقاحات من شأنه أن يُحقق هدفًا أكبر من مجرد القضاء على الأزمة المُحتدمة التي تسبَّب بها هذا الفيروس.

أفشين مولافي؛ زميل أول في معهد السياسة الخارجية بكُلِيّة جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، كما أنه مؤسِس ومُحرر موقع New Silk Road Monitor.