قطع المساعدات عن إدلب قد يكون الاختيار السهل للمانحين الغربيين، لكنه ليس الاختيار الصحيح

حايد حايد

AFP Photo: Omar Haj Kadour

إن الهيمنة المتزايدة لهيئة تحرير الشام على آخر جيوب المتمردين في شمال غرب سوريا يعيق بشدة الحكم الرشيد. كما أن المخاوف من أن يتم تحويل أموال المساعدات إلى هيئة تحرير الشام، والتي يصنفها معظم دول العالم كجماعة إرهابية، دفعت المانحين الغربيين إلى قطع التمويل عن جميع المشاريع غير الإنسانية المتعلقة بأعمال الاستقرار في المنطقة، بما في ذلك مشاريع التعليم والصحة.

كما لو أن الأشخاص الذين يعيشون في إدلب، والذين يقترب عددهم حاليًا من “4” ملايين نسمة، لم يعانوا بما فيه الكفاية. والأسوأ من ذلك، أن هذا التحول السياسي لن يفشل فقط في الحد من سيطرة هيئة تحرير الشام على ما تسميه الهيئة أعمال الإغاثة “المسموح بها”، بل إنه يساعد الهيئة فعليًا على تشديد قبضتها على جميع المهام المدنية، وبالتالي تعزيز مطلب الهيئة المتعلق بشرعيتها.

ولما كانت هيئة تحرير الشام ناجحة على المستوى العسكري، وذلك من خلال سيطرتها على مساحات شاسعة في إدلب الكبرى منذ بداية العام، إلا أن محاولات هيئة تحرير الشام للتفوق في إدارة الشؤون المدنية أثبتت أنها الأمر أكثر صعوبة، فالعديد من المجالس والمجتمعات المحلية لا تثق في الهيئة.

ومنذ عدة أشهر، قامت هيئة تحرير الشام بتنفيذ ما يمكن أن يُعتبر هجومًا ساحرًا من خلال إدراج نفسها ضمن الهياكل المحلية، ومغازلة مجموعات المتمردين الأخرى بهدف – ظاهريًا – تقاسم السلطة في الإدارة المدنية الجديدة، وتحمل مسؤولية استعادة الخدمات العامة. وهذا ما يفسر ولو جزئيًا السبب الذي بدت فيه هيئة تحرير الشام مرحبة بالمنظمات الإنسانية التي تقدم المساعدات في المناطق التي تسيطر عليها.

بيد أن الأمر لن ينطلي إلا على القليل – ولسبب وجيه. ففي الانتخابات الأخيرة المقامة لتشكيل مجلس شورى جديد، كان لهيئة تحرير الشام تأثيرًا كبيرًا على كلٍ من اختيار المرشحين ونتيجة الانتخابات، فضلاً عن التأثير على تقديم الخدمات، والتي لم تكن أمرًا قابلاً للتنفيذ قبل ذلك. وببساطة، لا تمتلك هيئة تحرير الشام الموارد اللازمة، على الرغم من أن ذلك لم يمنعها من إعلان مسؤوليتها عن تنظيم عملية توزيع المساعدات الدولية.

وبالنسبة للمنظمات المدنية المعنية بالأنشطة غير الإنسانية، فإن أسوأ ما يمكنها فعله في الوقت الحالي هو تعليق أنشطتها.وتتضمن الجهود الدولية في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في سوريا أكثر بكثير من مجرد توزيع الغذاء والدواء، حيث تركز المجموعات العاملة هناك أيضًا تركيزًا كبيرًا على بناء مؤسسات مدنية شرعية، وتعزيز الحكم الرشيد. وعلى سبيل المثال، هناك برامج سرية للتشجيع على المساواة بين الجنسين، والنشاط المجتمعي، وحقوق الإنسان. (تلجأ هذه المجموعات إلى العمل بطريقة غير ملحوظة لحماية موظفيها والأشخاص المستفيدين من الخدمات.)وفي ظل غياب الخيار العسكري المناسب ضد هيئة تحرير الشام، يبدو أن المقاومة المدنية هي الخيار الأفضل المتاح. وتمارس جماعات المجتمع المدني حتى الآن دورًا حاسمًا في منع هيئة تحرير الشام من السيطرة على مقاليد الأمور، ذلك أن المساعدات الموجهة إلى مجموعات المجتمع المدني قد مكنتها من احتواء هيئة تحرير الشام، وإضعاف شرعيتها وتقويض قاعدة الداعمين لها. وبينما لا ترضى هيئة تحرير الشام عن كل ما تفعله منظمات المجتمع المدني، الا انها لم تحظر نشاطاتهم بشكل جاد.ولكن بدون دعم الوكالات الدولية، ستضطر الجماعات المدنية وأجهزة الحكم المحلي إلى تعليق أنشطتها، وبالتالي خلق فراغ يمكن لهيئة تحرير الشام أن تملئه، ولا يمكن السماح بحدوث هذا الفراغ.إن ديناميات الوضع في إدلب معقدة بشكل لا يمكن إنكاره. فهناك مناطق بأكملها خاضعة لإدارة هيئة تحرير الشام والشركات التابعة لها؛ وفي مناطق أخرى، حققت هيئة تحرير الشام تقدما بسيطًا، بفضل المقاومة المحلية. ولكن بدون دعم المانحين، لا يمكن لهذه المقاومة أن تصمد.لذا، وبدلاً من الانسحاب، وترك المجال سهلاً أمام هيئة تحرير الشام، يجب على منظمات المجتمع المدني، المحلية منها أو الدولية، والجهات المانحة الغربية العمل معًا لتفويت هذه الفرصة على هيئة تحرير الشام، ويجب أن يحدث التعاون في الوقت الراهن، ذلك أن هيئة تحرير الشام لم تتمكن حتى الآن من تعزيز قوتها في إدلب بشكل كامل.ويجب على منظمات المجتمع المدني والجهات الغربية المناحة اختراق مناطق هيئة تحرير الشام لتحديد نقاط المقاومة المحتملة. هذا وقد عرفت بعض من تلك المجموعات بنفسها من خلال البيانات المنشورة على الإنترنت والتي ترفض خلالها سيطرة هيئة تحرير الشام، ولهذا يجب تشجيع تلك المجموعات ودعمها. ويجب أن تتضمن الإرشادات التشغيلية معايير واضحة لتنظيم عمل تلك المجموعات، فضلاً عن وجود آليات قائمة لضمان الامتثال لتلك المعايير، وأيضًا مراقبة المقاومة وإعداد تقرير عنها.ويجب أن تضمن تلك الإرشادات أيضًا عدم وصول، صدفة أو عمدًا، أي أموال إلى أيدي أي مجموعة محظورة. ومن المجموعات التي عرفت بنفسها، المنظمات الإنسانية التي ترفض دفع الضريبة (الاتاوة) التي تحاول هيئة تحرير الشام فرضها على جميع وكالات الإغاثة العاملة داخل المناطق التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام أو تمر خلالها، حتى لو أدى هذا الرفض إلى اضطرار تلك المجموعات إلى تعليق نشاطها. إن الحالة التي عليها هيئة تحرير الشام لا تسمح لها بسد الفجوة، وسيصل الضغط المجتمعي إلى مستوى يجعل مجموعات الإغاثة قادرة إلى على استئناف عملها دون أي التزام بدفع الضريبة.وهناك ما يكفي من الأمثلة في إدلب الكبرى للإشارة إلى جدوى تلك الخطط. وهنا نشير إلى إحدى هذه الأمثلة: فقد تعرضت إحدى المنظمات غير الحكومية العاملة في أحد مشروعات الإغاثة في شمال سوريا إلى ضغوط من أجل إيقاف تعاونها مع المجلس المحلي، والتعاون مع جمعية خيرية تابعة لهيئة تحرير الشام، غير أن المنظمة غير الحكومية رفضت هذا الأمر، وتعرضت للتهديد بإنهاء مشروع الإغاثة، وإغلاق مكتبها في مدينة إدلب. وعندما انتشر هذا الخبر، نظمت جماعات مدنية محلية ونشطاء مظاهرات احتجاج أدت إلى تراجع هيئة تحرير الشام عن قرارها. وبالتالي، تمكنت المنظمة غير الحكومية من مواصلة أعمال الإغاثة دون عوائق.إن تطوير البروتوكولات الجديدة للحكم الرشيد وتنفيذها لن تكون بالأمر السهل. غير أن قرار الغرب بإنهاء جميع أشكال المساعدات باستثناء المساعدة الإنسانية لن يؤدي إلى تقويض سلطة هيئة تحرير الشام أو كبح نفوذها. وفي الواقع، سيؤدي هذا القرار إلى نتائج معاكسة تمامًا، وستكون عواقبه وخيمة بالفعل.