الساسة فاقدي الثقة يريدون شيطنة اللاجئين، لكن الخير سينتصر على الكراهية

جوناثان جرونال

AFP Photo: Pau Barrena

على مدار الشهر الماضي، بدأت الفتاة الكردية العراقية ميفان بابكر حملة للعثور على شخص، كان قد عطف عليها من خلال تصرف بسيط، حين كانت لاجئة تبلُغ من العمر 5 سنوات، وقد ساعدها هذا التصرف البسيط على تغيير حياتها. وهربت “ميفان” ووالديها من العراق عقب اندلاع حرب الخليج الأولى، وقاموا بالتنقل بين تركيا وأذربيجان وروسيا، وفي العام 1994؛ انتهى بهم الحال في معسكر للاجئين بمدينة “زول”، وهي مدينة صغيرة تقع على مسافة 80 كم إلى الشرق من أمستردام في هولندا.

وفي معسكر اللاجئين، قابلت ميفان رجُلًا هولنديًا يعمل عملًا مؤقتًا في المعسكر، ولم تعرف ميفان إسم الرجُل أبدًا، لكن في الوقت الذي لم تكن فيه ميفان ووالديها يمتلكون شيئًا؛ قام الرجل بدعوتهم لمشاركته وأسرته الاحتفال بالكريسماس، بل أنه قام بإعطاء ميفان هدية، كانت في ذلك الوقت تمثل كل شيء لطفلة صغيرة تشعر بالقلق وتعيش بعيدًا عن وطنها، وكانت الهدية عبارة عن دراجة حمراء لامعة “جميلة”.

وخلال الشهر الماضي، لجأت ميفان، التي لا تملك سوى صورة باهتة لفاعل الخير، الذي لا تعرف اسمه، لكنها أبدًا لن تنساه، لجأت إلى موقع تويتر طلبًا للمساعدة في العثور على هذا الرجُل، وكتبت ميفان على تويتر قائلة :”هذا الرجُل، بالإضافة إلى العطف الذي يملأ قلبه، قام بشراء دراجة لي، مما جعل قلبي يرقص من الفرحة وأنا لا زلت طفلة تبلُغ من العمر 5 أعوام“. وبعد مرور 24 ساعة كانت هناك الآلاف من إعادة المشاركة لتدوينتها على تويتر، وعثرت الفتاة على “إجبيرت”، الذي تبيّن أنه يعيش الآن في ألمانيا، حيث سافرت ميفان من لندن إلى هناك من أجل أن تلقاه وتقدم له الشكر، وتفاعل بعض اللاجئين الآخرين الذين كانوا يعيشون في المعسكر، مع القصص الخاصة بإجبيرت وزوجته، وكيف قاما بتقديم العون لهم أيضًا.

وقالت ميفان التي تعمل الآن في مجال تكنولوجيا المعلومات في لندن :”إن العطف الذي قدمه لي السيد إجبيرت وأسرته سيظل عالقًا في ذاكرتي طوال حياتي، كما أنه مستمر في تشكيل وجداني“، وكان متطوع آخر في معسكر اللاجئين قد علّم ميفان كيفية استخدام جهاز الكمبيوتر، وأضافت ميفان:”الأفعال الصغيرة من الممكن أن تكون لها نتائج عظيمة“.

وبالنسبة للتغطية الإعلامية الغربية لأزمة اللاجئين، فإن هؤلاء الذين يبحثون عن ملاذًا آمنًا غالبًا ما يكونوا مجهولي الهوية بالنسبة للآخرين، والصورة السائدة التي يميزها الصوت العالي للساسة الشعبويين ومريديهم قليلي المعرفة، هي أن اللاجئين يمثلون تهديدًا لنمط الحياة والقيم الخاصة بالدول التي تستضيف هؤلاء اللاجئين، لكن الحقيقة ستجدها متجسدة في قصة ميفان، ولو أن هناك فرصة، فإن مُعظم الناس سيعاملون هؤلاء اللاجئين الهاربين من الاضطهاد أو  الذين يسعون لحياة أفضل لهم وأطفالهم على أنهم شركائهم في الإنسانية.

وتلك الأمثلة من إظهار العطف، تظهر في تلك الظروف التي يلتقي فيها إنسان بإنسان وجهًا لوجه، وخلال الأسبوع الماضي، اطلّع مستمعي البرنامج الإخباري الصباحي الشهير على راديو هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، علىقصة مات كوكر، البحار الذي عاش حياته يعمل على اصطحاب العملاء في رحلات صيد السمك عبر القناة الإنجليزية (بحر المانش)، وخلال سنوات من عمله داخل وحول أكثر ممرات الشحن ازدحامًا على مستوى العالم، لم يكن عمله يقتصر على مجرد صيد الأسماك، وغالبًا ما كان الرجُل يقوم برصد المهاجرين اليائسين، الذين يحاولون القيام برحلة محفوفة بالمخاطر للانتقال من فرنسا إلى بريطانيا، وغالبًا ما تتم تلك الرحلات باستخدام قوارب متهالكة، وقد كان الرجل دائمًا في عون هؤلاء المهاجرين، وعلى مدار العام الماضي نجح مات كوكر في إنقاذ رجلين اثنين وامرأة وطفل رضيع، كانوا على متن قارب من المطاط تعرّض للغرق.

وقد بدا مات كوكر مندهشًا حينما سأله المحاور عن السبب الذي يدفعه لهذا العمل، أما إجابة كوكر على السؤال، والتي ربما كانت فوق مستوى إدراك المحاور الذي يجلس آمنًا في مكتبه الفخم في الاستوديو في لندن، عبارة عن صدى لحياة البحر التي استمرت لقرون.

وأجاب كوكر ببطئ واقتناع :”تلك ليست وظيفتنا، لكنك لا يجب أن تترك شخصًا ما يواجه أزمة في البحر“، وربما لم يستخدم كوكر التعبير المناسب، الذي يتعلّق بكيفية معاملة كل شخص منا لشركائنا في الإنسانية، لكن تعاطُفه مع البؤساء الذين صادفهم يتعرضون للخطر في قلب البحر، هذا التعاطُف وصل إلى قلب مستمعي الراديو.

وفي قلب كل إنسان تسكن الطبيعة الإنسانية، لكن ما يلوث تلك العملية في عصرنا الحالي، هو السياسة التي تشتمل على الألاعيب، هذا التوجه الذي نما وتطور عبر الأكاذيب الخبيثة والدعاية، التي انتشرت بسهولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي يغمرها الانحياز، تلك البيئة التي تنمو فيها تلك التحيزات وتظهر طبيعتها الخبيثة، وقد ساعد ظهور دونالد ترمب، والمحرضين على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوربي (اتفاقية بريكست)، على تأجيج الشعور المُعادي للمهاجرين، وهي العملية التي جعلت الأحزاب القومية تحصل على نصيب متزايد من أصوات الناخبين، في دول مثل السويد وألمانيا والنمسا وإيطاليا وسويسرا وحتى هولندا.

وهناك افتراض منطقي، وهو أن عدد ليس بالقليل من الناخبين الذين يؤمنون بالتيار اليميني، والقادة القوميين الذين يدعون لبناء الجدران، اختاروا إلقاء اللوم على شخص أجنبي مجهول الهوية، فيما يخص جميع المتاعب التي يواجهونها، لكن هؤلاء لم ينظرون أبدًا لصناعة الكراهية وفقدان الثقة المتهمون هم بها، ومن ثم فإن قصصًا مثل قصة ميفان بابكر تعُد قصة إنسانية وتتمتع بالأهمية، وعلى الرغم من أن تلك القصص تعد مدفونة ولا يتم تناولها في خضم بحر الأخبار، إلا أن بعض تلك القصص تظهر إلى السطح من حين إلى آخر

وفي كاتانيا، وهي مدينة صغيرة تقع بجزيرة صقلية، وهو المكان الذي وصفه ماتيو سالفيني زعيم حزب الرابطة المُعادي للمهاجرين ب”معسكر أوربا للاجئين”، قام مخرج مسرحي يُدعى إيمانويل بيستون، بافتتاح مكتبة صغيرة في العام 2014، تم تخصيصها لمساعدة السكان المحليين على فهم المزيد، عن ثقافة ومشكلات اللاجئين الأفارقة الذين يعيشون بينهم. وفي أمريكا، هناك مجموعات ونشطاء يشعرون بالرعب من سياسة إدارة ترامب، التي تعمل على فصل آباء المهاجرين عن أطفالهم، وقام هؤلاء بتنظيم احتجاجات ضد تلك السياسة، كما قاموا بفتح بيوتهم للعائلات التي تعاني من تلك الأزمة.

وفي المملكة المتحدة، قامت الصحف المحرضة التابعة لليمين المتطرف وكذا الساسة، خلال الشهر الحالي بالنشر عن “الفضيحة التي تورط فيها فرع الخدمة التطوعية لإنقاذ القوارب، التابع للبحرية الملكية البريطانية”، وهو الفرع المسمى المؤسسة الوطنية الملكية لقوارب النجاة، والتي تقوم بالكامل على أموال التبرعات، وأن تلك المؤسسة تهدر الأموال عبر دعم برامج متدربي السباحة من الأطفال عبر البحار، وجاء عنوان إحدى الصحف “المؤسسة الوطنية الملكية لقوارب النجاة تقوم بتمويل شراء ملابس البحر للأفارقة”، وهو عنوان يحتوي على الكثير من التحريض.

وقامت المؤسسة بإصدار بيان للإعلان عن إنفاق 2% فقط من ميزانيتها، في محاولة للتقليل من حوادث الغرق التي تبلُغ 320 ألف حالة سنويًا، وأن المؤسسة فخورة بهذا العمل، وتمثّل رد فعل الرأي العام في سيل من التبرعات لتلك المؤسسة.

والأكيد هو أن الإنسان هو مجرد إنسان، وحينما يأتي لمواجهة الواقع وجهًا لوجه، ذلك الواقع المليئ بالشيطنة، فإن هؤلاء لا يلتفتون إلى المناشدات التي تحذرهم من الخطر، والتي تأتي على لسان الساسة الذين يبحثون فقط عن مصالحهم الخاصة، لكن هؤلاء يلتفتون فقط لشركائهم في الإنسانية

.

جوناثان جورنال هو صحفي بريطاني، كان يعمل سابقًا بمجلة “تايم”، وقد أقام وعمل بمنطقة الشرق الأوسط، وهو الآن مقيم في المملكة المتحدة.