محاولات الدنمارك لدمج المسلمين بالقوة لها تاريخ طويل

فيصل اليافعي

للمرّة الثانية خلال ستة أسابيع؛ تُصدِر الدنمارك قوانين جديدة تستهدِف مواطنيها من المسلمين، وفي نهاية مايو اقترح ساسة الدنمارك التصويت على قانون يمنع النساء من ارتداء النقاب في الأماكن العامة، وبعدها بأيام؛ قامت الحكومة بتمرير مجموعة من القوانين الاستثنائية عُرفت باسم “قوانين الجيتو أو الكيبوتز”.

وستتحوّل بعض المناطق داخل الدولة إلى ما يشبه الكيبوتزات (مناطق معزولة تضُم أشخاصاً من ذات الدين أو العِرق)، وسيتم تطبيق قوانين مُعيّنة خاصة بسكان تلك المناطق، حيث سيتم إجبار الأطفال بداية من عُمر عام واحد على مفارقة عائلاتهم لمدة 25 ساعة أسبوعياً، حيث يتم خلالها تعريف هؤلاء الأطفال بالقيم الدنماركية، وسيتم مضاعفة العقوبات الخاصة بالجرائم التي تُرتكب في تلك المناطق، وكذلك سيكون من حق مدارس رياض الأطفال بتلك المناطق رفض ما يزيد على 30% من أبناء المهاجرين.

ويقول ساسة الدنمارك أن أغلبية سكان تلك المناطق هُم من المسلمين، وأن تلك العملية غير مقصودة وإنما جاءت بالصدفة البحتة.

والآن فإن تلك القوانين يتم تطبيقها بشكل انتقائي، فالقوانين الدنماركية قامت بحظر الرموز الخاصة بدين واحد وهو (الإسلام)، فأغطية الرأس التي ترتديها طائفة السيخ وكذا القلنسوة اليهودية “كيباه” بقيت دون مساس.

والأمر نفسه ينطبق على قوانين “الجيتو أو الكيبوتز”، التي تخضع لمعايير النزاهة في المناطق التي تسري عليها تلك القوانين، والواقع أن 40% من سكان تلك المناطق هُم بلا عمل، وعلى سبيل المثال، فإن المعيار الرئيسي هو أن أكثر من نصف سكان تلك المناطق ينحدرون من أصول غير غربية، والمعروف تاريخياً أن الدنمارك طالما استقبلت المهاجرين واللاجئين من البلقان والشرق الأوسط وإفريقيا، أي أن هؤلاء المهاجرين أو اللاجئين يأتون إلى الدنمارك من مناطق ذي أغلبية مسلمة، وإذا ما نظرنا لمواقف اليمين الدنماركي من تلك الأقليات، وهي المواقف التي تتسم بالعداء، سنعرف المقصود بشكل واضح.

والحقيقة أن الحكومة الدنماركية لم تعر اهتماماً لردود الفعل المتوقّعة لتلك السياسات، كما أن قرار إنشاء الجيتو أو الكيبوتزات وإصدار قوانين تسري على تلك المناطق فقط يذكرنا بما حدث ليهود أوروبا في ثلاثينيات القرن الماضي حين تم عزلهم داخل مجموعة من الكيبوتزات، كما تم إصدار قانون آخر في العام 2016 يسمح للشرطة بتفتيش طالبي اللجوء ومصادرة الأموال والمجوهرات التي بحوزتهم، وهي سياسة مكروهة على مدار التاريخ.

أما الحكومة فقد رفضت عملية تشبيه ما يحدث اليوم بما حدث لليهود في القرن الماضي، والحقيقة أن الدنمارك اليوم لا تشبه أوروبا خلال الثلاثينيات من القرن الماضي، لكن على الحكومة أن تهتم بضرورة إدراك العامة لمغزى تلك السياسات التي تسير عليها.

لكن ما الذي جعل المجتمع الدنماركي الحر أن يصبح سريع التأثُر بسياسات الحكومة التي تعمل ضد المهاجرين وضد المسلمين؟

وهناك اعتقاد خاطئ بأن الخوف من أسلمة الدنمارك قد بدأ ينتشر مع بدايات القرن الحالي، لكن الواقع يقول أن الدنمارك كانت لديها نزعة قومية منذ عقود، وتحديداً منذ تأسيس حزب الشعب الدنماركي DPP في التسعينات، وهو الحزب الذي ينتمي لليمين المتطرف، وهناك آراء اخرى تقول أن تلك النزعة القومية ظهرت قبل هذا التاريخ.

والواقع أن حزب الشعب الدنماركي DPP بات يحصل على المزيد من الأصوات على مدار الأعوام العشرين الماضية، وبات الحزب جزءاً من الحكومة منذ العام 2015، وذلك عبر التحالُف مع الحزب الليبرالي الدنماركي (Venstre) الذي ينتمي لتيار يمين الوسط، حيث ظهرت سياسات جديدة خبيثة تحض على القومية وتناصب المهاجرين العداء، لكن الواقع أن مجهودات حزب الشعب الدنماركي DPP وحلفائه ستذهب أدراج الرياح، لأن المجتمع الدنماركي يؤمن بفلسفة سياسية تجعله يتقّبل التكامُل والاندماج مع الآخر.

ولكي نفهم تلك القصة بشكل متعمق يجب أن ننظر لحالة الأمة، ونظام الحُكم فيها الذي يختلف عن نظيره الأنجلو-سكسوني، وتحديداً يختلف مع أنظمة الحُكم في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وبالنسبة للشعب الدنماركي، فإن دور الحكومة يتمثّل في اتخاذ تدابير صارمة لإعادة دمج المسلمين في المجتمع الدنماركي.

ويأتي هذا الموقف ليذكرنا بالنضال العلماني الذي خاضته فرنسا، لكن الواقع يقول أن الحالتين مختلفتين للغاية، ومن المنظور الفرنسي فإن الدين يعُد بمثابة قوة مُعادِية لنظام الحُكم العلماني، لذا فقد كان هناك فصل تام بين الكنيسة والدولة، ولذات السبب لم نشهد دولة دينية في فرنسا.

والأمر يختلف في الدنمارك، ليس فقط باعتبارها دولة دينية، وإنما فيما يتعلّق بانتشار المسيحية اللوثرية (التي تتبع تعاليم مارتن لوثر، والواقع أن الدنمارك ما هي إلا دولة دينية، وهناك الكنيسة الوطنية الدنماركية أو (كنيسة الشعب) التي تتحكّم في السُلطة بشكل كبير، وتلك الكنيسة تقوم الدولة بتمويلها، وهناك وزير في الحكومة يتبع تلك الكنيسة، كما أن المسيحية يتم تدريسها في المدارس كجزء من الثقافة الدنماركية.

والنقطة الأخيرة التي تحدّثنا عنها تعُد في غاية الاهمية بالنسبة لإدراك واستيعاب سياسة المواجهة التي باتت الحكومة الدنماركية تعتمدها خلال التعامُل مع الأقلية المسلمة، وبالنسبة للشعب الدنماركي فدور الحكومة يتلخّص في بناء المواطن، حيث يتم عبر منظومة المدارس غرس قيم العدل والجماعية والمساواة بين الجنسين، حيث أن تلك القيم تعُد بمثابة حجر الأساس بالنسبة للمجتمع الدنماركي.

والواقع أن تلك القيم تعُد بمثابة أولوية بالنسبة للمجتمع الدنماركي، لكن بعض أفراد الشعب الدنماركي لا يكترثون لتلك القيم، لكن منذ صعود تيار السياسات القومية في تسعينيات القرن الماضي؛ بدأ التركيز ينصب حول المهاجرين، حيث باتت تلك القوى تروج لمقولة أن السبب في عدم اندماج المسلمين في المجتمع الدنماركي هو رفض هؤلاء المهاجرين أنفسهم لعملية الاندماج، ومن ثم يجب دمج هؤلاء في المجتمع الدنماركي بالقوة.

وبشكل عام فإن المجتمع الدنماركي يشعر بالرضا تجاه فكرة أن الشخص يجب أن يقدم شيئاً مفيداً للمجتمع، ودفع الضرائب الباهظة يعُد أحد مظاهر تلك الفكرة، علاوة على ذلك، فإن المجتمع الذي تسوده روح الجماعة يقوم الأشخاص فيه بالتنازل عن جزء من شخصياتهم مقابل ضمان الانسجام بين أفراد المجتمع، والشعب الدنماركي على يقين من أن العادات والمبادئ المشتركة تعُد بمثابة حجر الأساس بالنسبة لدولة صغيرة يبلُغ تعداد سكانها خمسة ملايين نسمة.

لذا فقد كان من السهل على الدنمارك أن تجد قبولاً بين مواطنيها مهما كانت خلفيتهم للقواعد التي قامت الدولة بوضعها، ولو أن بعض المواطنين يتسمون بالصرامة فإن الكثير من أفراد المجتمع سوف يتقبّلون ذلك دون معارضة.

AFP PHOTO/SCANPIX/KELD NAVNTOFT