رغم انخفاض سعر النفط؛ فإنه لا يوجد أي تهديد من أن تقع دول الخليج في فخ الديون الصينية

حسن الحسن

ينما بدأت أسعار النفط المنخفضة في الضغط على الموارد المالية لدول الخليج؛ فإن الصين قد وعدت دول مجلس التعاون الخليجي بمليارات الدولارات من الاستثمارات في مشروعات ضخمة للبنية التحتية وذلك في إطار “مبادرة الحزام والطريق”، وعلى الرغم من الإمكانيات الاقتصادية التي تتمتّع بها الصين؛ إلا أن مشروع “مبادرة الحزام والطريق” الذي تبلُغ تكلفته تريليون دولار أثار الشكوك لدى المنافسين حول نوايا بيكين الحقيقية، مما حدا بالمنتقدين إلى وصف هذا المشروع على أنه أداة من أدوات دبلوماسية فخ الديون، وعلى الرغم من ذلك إلا أن تلك المخاوف تبدو لا أساس لها، وإذا ما قمنا بفحص تلك المسألة بشكل كاف، سنرى أن الاستثمارات الصينية في منطقة مجلس التعاون الخليجي تُعد بمثابة فرصة أكثر منها تهديد.
وعلى مدار الأسابيع الماضية، انخرطت الصين بقوة مع دول الخليج والعالم العربي، ففي التاسع من يوليو استقبل الرئيس الصيني “شي جين بينغ” أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الذي قام بزيارة إلى بيكين استمرت ليومين، حيث قام الطرفان خلال الزيارة بالتوقيع على “اتفاقية للشراكة الاستراتيجية”، وكدليل على نمو العلاقات بين البلدين؛ فقد وافقت كلا من الكويت والصين على مشروعي مدينة الحرير وميناء مبارك الكبير المقرر إقامة كل منهما بالجزر الشمالية للكويت.
وفي اليوم التالي؛ حضر أمير الكويت افتتاح قمة أعمال الصين والدول العربية، والتي جمعت بين وزراء الخارجية العرب ودبلوماسيين رفيعي المستوى وأقيمت في العاصمة بيكين ، وخلال تلك القمة؛ تعهّد الرئيس الصيني “شي جين بينغ” بتوفير 20 مليار دولار كقروض من أجل “إعادة البناء الاقتصادي” وتنشيط الصناعة في العالم العربي.
في اليوم التالي ، حضر الأمير افتتاح قمة الدول العربية الصينية التي جمعت وزراء الخارجية العرب ودبلوماسيين كبار في بكين. وخلال القمة ، تعهد شي بتأسيس صندوق بقيمة 20 مليار دولار لتقديم القروض “لإعادة البناء الاقتصادي” و “التنشيط الصناعي” في العالم العربي.
وبعدها بعشرة ايام؛ اختار “شي جين بينغ” أبو ظبي كأول وجهة له في زيارة خارجية بعد إعادة انتخابه رئيساً للصين في مارس الماضي، وبعد الترحيب التام قام الطرفان بالتوقيع على أول اتفاقية على مستوى المنطقة للشراكة الاستراتيجية الشاملة، وخلال خطاب مفتوح نشرته الصحف المحلية؛ قام “شي جين بينغ” بوصف تفصيلي للطموحات الاستثمارية في الإمارات العربية المتحدة، حيث أعلن عن بناء أكبر محطة للطاقة الشمسية على مستوى العالم ومحطة “حصيان” لإنتاج الطاقة من الفحم النظيف وإقامة الفرع الثاني لميناء خليفة للحاويات ومنح الامتياز للصين في مناطق الاكتشافات النفطية البرية والبحرية بأبو ظبي.
ووفقاً لوجهة نظر البعض؛ فإن الجهود الدبلوماسية الصينية في منطقة الخليج تعكس ببساطة المصالح الصينية المتنامية في المنطقة، وعلى مدار الأعوام العشرين الماضية شهدت التجارة الثنائية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي زيادة هائلة، حيث بلغت 114 مليار دولار في العام 2016 بعد أن كان حجمها عشرة مليارات دولار في العام 2000 وفقاً لتقارير صندوق النقد الدولي، وتُعد كل من المملكة العربية السعودية وإيران والعراق وسلطنة عمان من أهم مصادر الصين للحصول على النفط الخام، على الرغم من أن روسيا (تنتج 1.2 مليون برميل من النفط يومياً) أي أنها تجاوزت المملكة العربية السعودية التي (تنتج مليون برميل من النفط يومياً) حيث باتت موسكو المصدر الأول للنفط بالنسبة للصين في العام 2016.
وبالنسبة للبعض الآخر؛ فإن الأنشطة الإقليمية الصينية هي مجرد قناع للطموحات الشريرة لبيكين ، وأن تلك الأنشطة هي على النقيض من الطموحات الاستراتيجية الصينية في أماكن أخرى في جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا ووسط آسيا وإفريقيا، ووفقاً لتقارير مركزالتنمية العالمية ومقره واشنطن فإن هناك 23 دولة من أصل 68 دولة تشارك في مشروع “مبادرة الحزام والطريق”، عُرضة بشكل كبير للوقوع في أزمات الديون، وبتشجيع من الصين، فقد حصلت تلك الدول الفقيرة على مبالغ طائلة من الديون من أجل تمويل مشروعات البنية التحتية ذات التكلفة العالية، حيث باتت تلك الدول تقترض من الصين بمستويات غير مسبوقة، ووفقاً لتقارير صادرة عن ذات المركز فإن نصيب الصين من الديون المستحقة بحلول العام 2016 وصل إلى 80% من مجموع الديون المستحقة على جيبوتي و49% من ديون كمبوديا و41% من ديون طاجيكستان و39% من ديون “لاوس” و36% من ديون جمهورية قيرغيزستان.
وحتى إذا ما قامت الصين بشطب بعض الديون المستحقة لها؛ فهي غالباً ما تفعل ذلك في مقابل امتيازات هائلة تتعلق بالأراضي، وعلى سبيل المثال، فقد وافقت سريلانكا على منح الصين امتياز لقطعة أرض مساحتها 15 ألف فدان لمدة 99 عاماً، ونقل السيطرة على ميناء هامبانتوتا إلى الصين في مقابل قرض ثان بقيمة 757 مليون دولار حصلت عليه سريلانكا من أجل تطوير الميناء، وبالمثل، فقد قامت طاجيكستان بمنح الصين بعض الامتيازات على الأراضي المتنازع عليها بين البلدين، دون الإعلان عن تلك الصفقة، في مقابل الإعفاء عن الديون.
وعلى أي حال، فهناك احتمال ضعيف أن تخضع دول الخليج لما يسميه البعض “بفخ الديون الصينية”، وحتى مع التضييق الذي تتعرّض له بسبب التمويل فإن دول الخليج من الممكن لها أن تكون مصدراً لتقديم القروض ورأس المال على مستوى الأسواق العالمية والإقليمية بتسهيلات كبيرة في الدول التي تعمل الصين على الاستثمار فيها، وكذا فان التصنيف الائتماني لدول مجلس التعاون الخليجي يتراوح بين تصنيف قطر Aa3والبحرين Ba2، ووفقاً لمؤسسة موديز فإن هذا التصنيف يعُد ميزة لتلك الدول الخليجية مقارنة بجيرانها في كل من آسيا وإفريقيا، وهذا يعني أن دول مجلس التعاون الخليجي قادرة على منع وقائع الفساد الضخمة من القمة، كما أن الحالة المالية لتلك الدول تعني أنها أنها أكثر حصانة بكثير من الانصياع لشروط بكين المجحفة.
علاوة على ذلك، وبالرغم من من الضجة الإعلامية ، فإن الاستثمارات الصينية في دول الخليج تسير أبطأ مما كان مُتوقّعاً، وعلى الرغم من ظهور الصين في العام 2016 كأكبر مستثمر في منطقة الشرق الأوسط؛ فإن آثار الاستثمار الصيني في دول مجلس التعاون الخليجي ظلّت محدودة نسبياً، وفي العام 2017 على سبيل المثال؛ فإن استثمارات دبي التي حصلت عليها من الخارج وتبلُغ قيمتها 7.4 مليار دولار تم الحصول عليها بشكل أساسي من كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا والهند وألمانيا والمملكة العربية السعودية والنمسا، حيث بات الحضور الصيني في مجال الاستثمار ضعيفا، أما المحادثات حول اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي والتي عادة ما تتركّز حول الاستثمار فقد توقفت والسبب كما قالت بيكين هو مخاوف بيكين من تأثير تصدير دول الخليج البتروكيماويات رخيصة الثمن إلى الصين وأن ذلك يؤثِر بالسلب على الصناعة المحلية الصينية.
وباختصار، فلن تشكل الاستثمارات الصينية أو ضعف الاقتصاديات الخليجية، قوة كافية للصين من أجل تهديد السيادة الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، وفي المقابل، فإنه يمكننا التفكير في الاستثمارات الصينية في المنطقة على أنها أحد مكونات الشراكة الاقتصادية القائمة على العدالة، والواقع أن انخفاض أسعار النفط سيؤهل الصين من أجل تكوين فائض اقتصادي، حيث تقوم الصين باستثمار جزء من هذا الفائض في دول الخليج التي تتمتّع بالمصداقية كمورد للنفط والغاز، حيث أن هذا الفائض من النفط والغاز سيجعل هناك فائض اقتصادي صيني، وبينما تقوم دول مجلس التعاون الخليجي بتطوير العلاقات مع الصين فإن تلك الدول يجب عليها ضمان ترتيبات اقتصادية مشتركة قائمة على النفع والمساواة، وضمان الشفافية والدخول المشترك إلى الأسواق، وإلا تكون مجرد علاقة بين مدين ودائن، وهي العلاقة التي قامت الصين ببناءها مع دول أخرى بتلك المنطقة.

AFP PHOTO/KARIM SAHIB