البحث عن أدلة: إسرائيل تستخدم علم الآثار للمطالبة ببعض الحقوق في فلسطين – لأن الإيمان لم يعد كافيًا

جوناثان جرونال

AFP Photo: Menahem Kahana

كان شهر يوليو حافلاً فيما يتعلق بعلم الآثار بشكل خاص على الأرض المقدسة. وفي بلدة “تل الصافي” الواقعة جنوب إسرائيل، عثر علماء الآثار من جامعة “بار إيلان” على ما يعتقد البعض أنه بقايا مدينة جاث الفلسطينية القديمة والتي عثر عليها صدفة على طبقة قديمة من حصون “العصر التوراتي”. ويقول الأستاذ “أرين مايير”، مدير أعمال الحفر، أن تلك البقايا قد تعود إلى قصة “جالوت”، ذلك الرجل الفلسطيني العملاق والذي قتله الملك القادم “داوود”، كما ورد في سفر “صموئيل” الأول. ويعد البروفسور “أرين” أحد العلماء الذين يعلمون أن “داود” كان شخصية تاريخية.

وكان هذا الاكتشاف من الاكتشافات الرائعة التي قام بها قسم دراسة أرض إسرائيل وعلم الآثار التابع للجامعة، والذي نال دعمًا سخيًا من الجامعات الأمريكية الصديقة لجامعة ” بار إيلان”. وترى تلك الجامعات الأمريكية في وجود “دليل على الحياة اليهودية في الماضي” تأكيدًا على أن الديانة اليهودية كانت – ومازالت – استمرار لأناس كانوا على تلك الأرض منذ قرون عديدة “.

ولم تمضِ سوى بضعة أيام فقط على اكتشاف بلدة “تل الصافي”، حتى حدث اكتشاف آخر بالقرب من تل البلدة، وارتبط هذا الاكتشاف أيضًا بالملك “داوود”. وأثناء التنقيب في موقع بالقرب من مدينة “كريات جات” جنوب إسرائيل، أعلن علماء الآثار من هيئة الآثار الإسرائيلية، والجامعة العبرية في القدس، وجامعة ماكواري في أستراليا، أنهم عثروا على الأرجح على مدينة “تل شرع” التوراتية، والتي لجأ إليها الملك “داوود” بعد صراعه مع الملك “طالوت”.

وفي هذه الأثناء، وعلى امتداد شواطئ بحيرة طبريا، زعم فريق من كلية أكاديمية كنيرت الإسرائيلية، وكلية “نياك كريستيان”، ومعهد اللاهوت في نيويورك، أنه اكتشف كنيسة الرسوليين، والتي يُشير التراث المسيحي إلى أنها بُنيت على موقع منزل ا أول تلميذين للمسيح، وهما، سيمون (والذي أٌطلق عليه فيما بعد اسم “بطرس”)، وأندرو. ومضى الآن أربعة أعوام على مشروع التنقيب المُستمر في تلة “الأعرج”، ويتعاون في هذا المشروع علماء من مركز دراسات الأراضي المقدسة، وهي شركة سياحية دينية مقرها مدينة “سبرينجفيلد” في ولاية ميزوري، وتوفر هذه الشركة جولات من شأنها أن “توفر تجديدًا روحانيًا من خلال السفر عبر الأراضي المذكورة بالكتاب المقدس.”

وفي ظل مثل تلك الاكتشافات، يزداد المسيحيون الأصوليون واليهود المتشددون على حد سواء، عزمًا على تقديم أدلة أثرية لدعم العهد القديم كسجل تاريخي.ويثير هذا الأمر القلق على عدة مستويات. ومما لا جدال فيه أن المعتقدات الدينية بطبيعتها الأساسية ليست بحاجة إلى دليل لإثبات صحتها، فالإيمان هو الإيمان. ولذلك، لا يمكن تفسير اهتمام إسرائيل البالغ بالعثور على أدلة مادية لدعم قصصًا تمثل أهمية لهوية إسرائيل إلا في إطار كونها محاولة لترسيخ المطالبات اليهودية بالأرض المقدسة.ويجعل هذا الأمر من مجرفة عالم الآثار بمثابة أداة سياسية. وكما كتب نور مصالحة، أستاذ الدراسات الفلسطينية بجامعة لندن، في كتابه الصادر عام 2013 بعنوان “الكتاب الصهيوني المُقدس: السابقة التوراتية، والاستعمار، ومحو الذاكرة”، أن إسرائيل تنظر إلى أي محاولة للتشكيك في الصحة التاريخية للروايات التوراتية”، على أنها محاولة لتقويض القومية اليهودية … والأهم من ذلك، تقويض “الحق التاريخي لليهود في الأرض”.وأضاف أن أصحاب الفكر التقليدي من المسيحيين قد انزعجوا بشكل خاص من أي اكتشافات أثرية “تتحدى القراءات التاريخية الحرفية للتوراة المكتوبة بلغة الكتاب العبري”. وفي هذا السياق، يجب على المرء أن يُلاحظ تلك الاستنتاجات التي توصلت إليها العديد من البعثات الأثرية إلى الأراضي المقدسة التي نظمها مسيحيون إنجيليون من الولايات المتحدة وأن يُشكك في صحتها. ولنأخذ على سبيل المثال مؤسسة “شركاء من أجل أبحاث التوراة”، وهي منظمة مسيحية مقرها بلدة “آكرون” الصغيرة في ولاية بنسلفانيا. وتدخل هذه المؤسسة عامها الثالث من التنقيب في بلدة “تل شيلو”، وهو مكان في الضفة الغربية المحتلة، والتي تبحث بها عن أدلة على وجود خيمة الجماعة. وكانت تلك الخيمة هي المزار المحمول الذي يشبه الخيمة والذي يصفه سفر الخروج على أنه تابوت العهد، وهو صندوق يحتوي على لوحين حجريين يحملان الوصايا العشر التي أعطيت لموسى على جبل سيناء وحملها الإسرائيليون على مدار أربعين عامًا هائمين في الصحراء.تعلن مؤسسة “شركاء من أجل أبحاث التوراة” عبر موقعها على الإنترنت أنها تكرس نفسها لإثبات المصداقية التاريخية للكتاب المقدس من خلال البحوث الأثرية والتوراتية. ورغم ذلك، وكما أشار بيتر إنز، المؤلف وأستاذ اللاهوت الإنجيلي بجامعة “إيسترن”، وهي جامعة مسيحية في مدينة فيلادلفيا، “لم يكن السجل الأثري محبوبًا بسبب قضية حيوية واحدة، وهي: أصول إسرائيل”، بما في ذلك فترة الاستعباد والخروج من مصر، وغزو إسرائيل لأرض كنعان”.ويقول الأكاديميون إن عام 1967 كان بداية تدليس علم الآثار بواسطة الأيديولوجيا، فبعد حرب الأيام الستة، بسطت إسرائيل قبضتها على عدد كبير من المواقع التوراتية. وفي كتابها الصادر عام 2017 بعنوان “البحث عن القدس: علم الآثار ما بين العلوم والأيديولوجيا”، تصر عالمة الآثار الإسرائيلية ألمانية المنشأ، “كاترينا غالور”، على أن أعمال الحفر قد تعرضت للخطر بشكل متزايد من خلال “السعي الإيديولوجي لإقامة وجود يهودي دائم في القدس الشرقية”.وفي عام 2015، اتخذت الحكومة البريطانية خطوة غير عادية باتهامها سلطة الآثار الإسرائيلية بالتواطؤ مع مجموعة مستوطنين من مدينة “إلعاد”، والتي وُجهت لها تُهمًا بممارسة أنشطة استيطانية متطرفة في المدينة القديمة وما حولها بذريعة السياحة وحماية التاريخ اليهودي. وتواجه سلطة الآثار الإسرائيلية الاتهامات نفسها من منظمة “عمق شبيه”، وهي منظمة إسرائيلية غير حكومية تعمل على” منع إقحام السياسة وعلم الآثار في سياق الصراع الإسرائيلي الفلسطيني”. وفي عام 2017، وفي تقرير مُشترك لها مع منظمة “ييش دين”، وهي منظمة إسرائيلية غير حكومية معنية بالدفاع عن حقوق الفلسطينيين، اتهمت منظمة “عمق شبيه” إسرائيل باستخدام علم الآثار “كأداة مركزية لترسيخ سيطرتها على الضفة الغربية”.وفي يونيو/ حزيران، وفي توضيح لافت عن مدى إخلاص إدارة ترامب لدولة إسرائيل – ولأصوات أحزاب اليمين المسيحي الإنجيلي المتطرف في أمريكا، انتقد كلٌ من السفير الأمريكي في إسرائيل والمبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط العلاقات مع الفلسطينيين عندما حطموا بسعادة جدارًا من الجبس شُيِد خصيصًا للاحتفال بافتتاح “طريق الحجاج” في القدس الشرقية. لقد أدى التنقيب الذي دام ست سنوات إلى تدمير المنازل الفلسطينية، حتى أن سلطة الآثار الإسرائيلية أدانت هي الأخرى هذا التنقيب معتبرة أن الآثار التي يجري التنقيب عنها “آثار سيئة”. وبالنسبة للسلطة الفلسطينية، يوضح مسار التنقيب كيف أن “إسرائيل” بصدد إنشاء سيناريو لما تحت الأرض لتبرر احتلالها لما على سطحها. تُعد الأرض المقدسة موطنًا لبعض أكثر الأماكن التاريخية جاذبية في العالم. غير أن علم الآثار في إسرائيل يتعرض لخطر شديد – وليس لأن الغرض منه في كثير من الحالات هو “إثبات” صحة العهد القديم، ولكن لأن علم الآثار يخدم برنامجًا خبيثًا يسعى إلى تهجير الفلسطينيين من أرض غنية بنفس القدر في التاريخ والمغزى، وتمثل لهم نفس ما تُمثله لليهود.

جوناثان جورنال” صحفي بريطاني سابق بجريدة “التايمز”، عاش وعمِل بمنطقة الشرق الأوسط، وهو مستقر”  حاليًا بالمملكة المتحدة.