هل يقضي فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” على التحضر؟

أفشين مولافي

AFP Photo: Eitan Abramovich

في مطلع القرن العشرين، تروي لنا المدن الخمس الأكبر في العالم قصة الهيمنة الاقتصادية الغربية، وتجسد لنا الظاهرة الأكبر: وهي انتشار التحضر. وبفضل الثورة الصناعية في القرن السابق، إلى جانب التجارة سريعة التنامي والاستعمار الأوروبي، وضعت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا أياديها على ثروة هائلة.

ووفقًا للأمم المتحدة، لم تتجاوز نسبة السكان في المدن والبلدات في جميع أنحاء العلم في عام 1800 نسبة الـ”3%”. وبحلول عام 1900، كانت النسبة “15%”. واليوم، تبلغ نسبة السكان في المدن والبلدات “55%”. ورغم ذلك، لم تعد أكبر المراكز الحضرية في العالم وأسرعها نموًا موجودة في الاقتصادات الغربية المتقدمة، بل أصبحت في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. والمدن الخمس الأكبر في العالم اليوم هي، طوكيو ودلهي وشنغهاي وساو باولو ومكسيكو سيتي. بل أن المراكز الخمسة الأولى من عام 1900 – وهي لندن ونيويورك وباريس وبرلين وشيكاغو – لم تعد ضمن أكبر عشر مدن في الوقت الراهن.

إن السعي الدؤوب نحو التحضر ينطبق بالمثل على الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث يعيش أكثر من “60%” من السكان – وهو معدل أعلى من المتوسط العالمي – في المدن، وتفتخر المنطقة بوجود ثلاث مدن ضخمة ذات تعداد سكان يبلغ عشرة “10” ملايين نسمة أو أكثر: وهي، القاهرة وطهران واسطنبول. ومن المتوقع أن تصل بغداد إلى مكانة المدن الضخمة بحلول عام 2030، وما الرياض عن ذلك ببعيد. ومن نواح عديدة، تتمحور قصة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مدى العقود الخمسة الماضية حول قصة التحضر.

وفي حالة إدارة تلك المدن إدارة ناجحة، فقد تكون وسيلة قوية لتحقيق النمو الاقتصادي، وتوفير والوظائف، وتلبية مطالب المستهلكين، والابتكار. وقد تكون تلك المدن أيضًا موطنًا لإثارة الخطر والاضطراب، وما يتبعها من مأساة في نهاية المطاف، إذا دمرت الحكومات المركزية اقتصاداتها. وإن سوء إدارة طبقة سياسية فاسدة في بيروت، وهي واحدة من أكثر المدن حيوية في الشرق الأوسط، هو مثال على ذلك. ومع استمرار جائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” في تدمير الاقتصاد العالمي، وإشعال شرارة الركود الاقتصادي، وإفلاس الشركات، والتسبب في خسائر فادحة في الأرواح، ووقوع اضطراب هائل، هناك اختبار بطرق غير مسبوقة لبعض التوجهات الأكثر مقاومة للاضطرابات.

ويُقاس التحضر بمقدار مستوى مقاومة المجتمع للاضطرابات. لقد تجاهلت المدن الحروب المدمرة التي حدثت في القرن العشرين، وتناولت فقط أي “اضطراب” آخر تعرضت له، بدءًا من فترات الركود العالمي وصولاً إلى الجائحات. ورغم ذلك، هل ستضر جائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” بالتحضر على خلاف تلك الاضطرابات الأخرى؟، وهل من المحتمل أن نشهد عالمنا يبتعد عن التحضر؟

إن محاولة التنبؤ بمستقبلنا أشبه برجلٍ يسقط من مبنى مكون من 100 طابق، ويقول وهو في منتصف طريقه لأسفل “إن الأمور على ما يرام حتى الآن”. ومن الجدير بالذكر التنويه إلى مدى مرونة المدن، ومدى أهميتها لتكوين مستقبل مزدهر. وتمثل المدن الرئيسية معظم الناتج المحلي الإجمالي لأي دولة ونموها، وبالتالي معظم فرص العمل. وتمثل تلك المدن حجر الأساس للابتكار الذي سيدعم التقنيات الجديدة، بدءًا من الأدوية وصولاً إلى معدات الحماية، ومن شأن هذا أن يساعد الجميع على تجاوز عاصفة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-.19”

تسببت أوبئة الكوليرا في أوروبا في القرن التاسع عشر إلى إنشاء أنظمة صرف صحي حضرية ومن ثم اعتمادها في جميع أنحاء العالم. وكان الدمار الذي سببه الطاعون الدملي في القرن الرابع عشر سبباً كافياً لتجنب الحياة في المدن إلى الأبد، وفي جميع أنحاء أوروبا، حتى أكثر المدن تضرراً التي عادت إلى الحياة في غضون عقود قليلة. وعلى العموم، تفوق مزايا حياة المدينة مخاطرها.قد يثني الغربيون على حياة القرى الآسيوية أو الأفريقية، ولكن الأشخاص الذين يعيشون بالفعل في تلك القرى كانوا يفرون إلى المدن بأعداد تصل إلى مئات الملايين منذ عقود. وكما يشير “دانيال بياو”، مسؤول سابق في الأمم المتحدة، وأحد أهم خبراء العالم في المدن: “تفوق المدن جميع الأماكن من حيث فرص العمل، والتفاعلات الاجتماعية، والتعليم والتنمية الثقافية … وتاريخياً، تتقلص المدن في الغالب لأسباب اقتصادية، ونادراً ما تكون لأسباب بيئية.”ويشير “بياو” أيضا إلى طريقة تجاوب المدن مع المبادرة لمواجهة الأزمة. “فأفريقيا تبتكر كل يوم. ومنذ آذار/ مارس 2020، تنتج الشركات الخاصة وأصحاب المشاريع الصغيرة الملايين من أقنعة الوجه، بينما كانت الدول الأكثر ثراءً تنتظر الصادرات الصينية. وبشكل عاجل، أنشأت الدول محطات غسل اليدين في العديد من الأحياء الفقيرة”.وماذا عن التوجه نحو الرقمنة، والعمل عن بعد، ولاسيما في الاقتصادات المتقدمة؟. من المرجح أن يتسارع هذا التوجه بسبب فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، بينما من المحتمل أن يتباطأ التحضر في الدول الغربية، ولكنه لن يتوقف تمامًا. في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط – وهي موطن لـ85٪ من سكان العالم – لا تتمتع الغالبية العظمى من الشعوب برفاهية العمل عن بعد. ويتعين على تلك الشعوب الذهاب إلى حيث مكان العمل (ناهيك عن عرض النطاق الترددي للإنترنت) – في المدن.إن ما تحتاجه المراكز الحضرية اليوم هو سياسات أكثر قوة تعترف بالمأزق في خضم جائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19”: والمدن المكتظة بالسكان هي في الوقت نفسه الأماكن التي ينتشر فيها الفيروس بشكل أسرع، وهي ساحة القتال الحيوية التي يمكن من خلالها مواجهة هذا الفيروس – وكل ذلك بجانب دعم الازدهار.

وهذا ينطبق على مدينتي القاهرة وكراتشي، ومثلهما لوس أنجلوس ولندن. وقد يكون التحضر سببًا في حل مشكلة قصيرة المدى، لكنه سيخلق عددًا كبيرًا من المشكلات الجديدة.

 

أفشين مولافي، زميل كبير بمعهد السياسة الخارجية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة “جونز هوبكنز”، ومؤسس جريدة “ذا نيو سيلك رود مونيتر” ومحررًا بها.