رغبة دبي في تكوين اقتصاد مرن من خلال إقامة مناطق حرة عالمية

جوناثان جرونال

ما الهدف تحديدًا من التعليم العالي؟، إنه السؤال الذي يتعين على البعض التفكير فيه ولاسيما في ذلك العصر الذي يشكل فيه التعليم لنيل شهادة علمية أمرًا إلزاميا بالفعل، بالإضافة إلى أنه أصبح مصدرًا هامًا من مصادر دخل العديد من الاقتصاديات. وجاء هذا السؤال كنتيجة، غير مباشرة، للميثاق الذي نشرته حكومة دبي وحددت فيه تسع “9” تعهدات قطعتها حكومة دبي على نفسها لتحسين جودة مستوى الحياة للأجيال المقبلة.

وتأتي بعض تلك التعهدات، والتي تتعلق بتحقيق أهداف معينة كالرعاية الصحية والاستثمار والأهداف الاقتصادية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الماء والغذاء والطاقة، كامتداد طبيعي لفلسفة الفكر التطلعي الذي جعل دبي تتحول من بيئة اقتصادية راكدة إلى مركز تجاري عالمي يتسم بالنشاط على مدى الحياة. وكما تتسم بعض من تلك الخطط بالتشويق، فهناك تشويق واضح في التطوير المقترح للمناطق الحرة الاقتصادية الملحقة بالجامعات التي تلتزم بها دبي على الدوام لبناء مستقبل أفضل لمواطنيها.

وتوضح المادة السادسة من ميثاق البنود التسعة، الازدهار المحتمل في قطاع التعليم مع أهمية إصلاحه. ويشير “الهدف الأسمى” لهذا الميثاق إلى ضرورة “عدم الاكتفاء بتخريج الطلاب، بل تأهيلهم أيضًا للالتحاق بالشركات”.

وبمعنى آخر، من الجيد جدًا، على جميع المستويات، منح المواطنين فرصة التعليم حتى مستويات متقدمة منه. ورغم ذلك، فإن عدم توفير فرص عمل للخريجين سيؤدي إلى خلق فئة مثقفة من العاطلين، وهو ما ينذر بحدوث اضطراب مجتمعي.

وبداية من العام المقبل، تعتزم دبي إنشاء مناطق اقتصادية حرة بجانب الجامعات الخاصة والحكومية “لدعم الطلاب في مجال التعليم والأبحاث والتمويل، وتكوين مجالات العمل الخاص بهم”، أو بمعنى آخر، توفير التعليم محدد الغرض والميسر.

وتمثل تلك المبادرة التي أطلقتها دبي واحدة من العديد من المبادرات التي تسعى من خلالها دولة الإمارات العربية المتحدة وبشدة إلى التحول إلى اقتصاد المعرفة لمرحلة ما بعد النفط. وفي هذا الاقتصاد، تمارس العمالة الماهرة الإماراتية وليست المواهب الخارجية، دورًا محوريًا متناميًا. وبعد إطلاق المبادرة بعدة أيام، أجرت وزارة التربية والتعليم دراسة تستند إلى خبرات “13,000” خريج للتعرف على أكثر الدرجات العلمية التي يحتاج إليها سوق العمل من بين خريجي العام 2017.

وكانت الرسالة واضحة إلى المدارس الحكومية، فقد تم توجيه الطلاب نحو المواد التي تساعد على تطوير الطالب وتحقيق النمو الاقتصادي للبلاد.

وفي تلك الأثناء، أطلقت إمارة أبوظبي البرنامج الوطني “خبراء الإمارات”، والهدف منه مساعدة العقول والكفاءات الإماراتية ليكونوا خبراء في المجالات التي تعتبر حيوية لازدهار الوطن.

وهناك ملاحظة تحذيرية يجب الالتفات إليها، وهي أن امتهان مهنة الهندسة أو محامي العقود ليست حلم كل شخص، وأنه لا يجب أن يتجاهل الفرد آماله وأحلامه لتحقيق مصير الوطن. ويجب على دولة الإمارات العربية المتحدة مراعاة أن هذا المجتمع الذي تشكله بتان، هو مجتمع متوازن يهتم فيه المواطن بالفنون والثقافات بقدر اهتمامه بالنجاح الاقتصادي.

ومع ذلك، هناك حقيقة لا جدال فيها وهي أن الاستقرار المالي هو حجر الأساس الذي يجب على دولة الإمارات العربية المتحدة الارتكاز إليه إذا ما أرادت التخلي عن النفط ومواجهة تحديدات المستقبل بنجاح كالاقتصاد المستند إلى المعرفة. وتمثل خطة إمارة دبي لإعادة الدور الحيوي لقطاع التعليم باعتباره محرك النمو خطوة جريئة في هذا الاتجاه.

وتمثل تلك الخطة الطموحة تطويرًا جذريًا لنموذج ناجح معمول به بالفعل داخل الجامعات الخاصة حول العالم، غير أن تلك الخطة لم تطبق بعد على نظام التعليم بأكمله داخل دولة الإمارات.

وتأكيدًا على جدوى هذه الفكرة، يمكن النظر إلى جامعة “كامبريدج” والتي شكلت في العام 2006 مؤسسة كامبريدج “لمساعدة موظفي وطلبة الجامعة على استثمار خبراتهم وأفكارهم تجاريًا”، وذلك من خلال منح الموظفين والطلبة الخبرة اللازمة في مجال إنشاء المشروعات التجارية وتقديم الخدمات الاستشارية وإدارة الملكية الفكرية. وخلال العام المالي السابق فقط، دعمت مؤسسة كامبريدج “1,714” باحث، وسجلت “276” براءة اختراع، وحررت “349” عقد استشاري، واستثمرت “5,2” مليون جنيه إسترليني في الشركات الفرعية، وحققت أرباح بقيمة “13” مليون إسترليني في التمويل الأولى لعملاء الجامعة.

ولا شك في أن دبي تراقب قصة نجاح جامعة “ستانفورد” والمتمثلة في إنشاء “معهد ستانفورد للأبحاث” والذي أصبح موطن الأبحاث والتطوير، وتمخض عنه ثقافة إنشاء المشروعات، وتوفير إيرادات للجامعة ومشروع وادي السيلكون الذي تم تدشينه فعليًا.

وليس في هذا إشارة إلى أن دبي تحتاج إلى الكثير من التوجيهات في مجال تدشين المشروعات. كما أن افتقار جارتها “أبوظبي” إلى الثروة النفطية، جعل إمارة “دبي” ملزمة منذ بداية عهدها بتكوين ثروتها الخاصة ومشروعاتها التجارية عن طريق إنشاء مشروعات تجارية. ولهذا نرى أن تسعين “90%” في المائة من إيرادات إمارة “دبي” في الوقت الحالي يأتي من الأنشطة التجارية، ويتعلق العديد منها بقطاعات الشحن والطيران والسياحة والتي طورتها دبي لمواجهة الكثير من الشكوك التي أحاطت باقتصاد الإمارة في ذلك الوقت، ونتج عن تلك القطاعات شركات عالمية رائدة في الوقت الحالي.

وكما اوضحت إمارة “دبي”، فإن الدولة التي تزود خريجيها بالمعرفة اللازمة للتفكير والعمل كأصحاب المشروعات هي دولة تستثمر في المستقبل بأفضل الطرق العملية. وبهذا تمثل إمارة دبي نموذجًا يجب الاقتداء به من الاقتصاديات الأخرى في المنطقة، فضلاً عن الاقتصاديات التي تواجه النهاية الحتمية للنفط.

في السابق، كانت دبي تعتمد على إمكانياتها وقدراتها الخاصة، ولكن بعد تحديد أهداف نظام التعليم العالي لديها بدقة، نجد أن دبي تراعي أيضًا عدم ترك مصير مستقبلها للصدفة.

AFP PHOTO/GIUSEPPE CACACE