الاستقرار شرق سوريا يعتمد على قدرة قوات سوريا الديمقراطية على تحقيق السلام

حايد حايد

AFP photo: Giuseppe Cacace

بينما يحتفل العالم بأحدث الهزائم التي مني بها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في المنطقة، يبدو أن قوات سوريا الديمقراطية مستغرقة في الجهود المبذولة للحفاظ على مكاسبها. وقد حققت قوات سوريا الديمقراطية، والتي قادت العمليات البرية ضد ما يسمى بدولة الخلافة في شمال شرق سوريا، انتصارًا حاسمًا في ساحة المعركة، غير أن حسم هذه المعركة يعتمد على قدرة تلك القوات على وضع إستراتيجية طويلة الأجل لمكافحة التمرد وتحقيق المصالحة.

وقبل فترة طويلة من فقدان قريته الأخيرة في “الباغوز”، كان تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” يستعد لمرحلة ما بعد إنشاء دولة الخلافة، وذلك عن طريق زرع أو تجنيد خلايا نائمة في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية وأماكن أخرى، وهو ما أثبت أن قوات سوريا الديمقراطية لها من القدرات التي تمكنها من التعامل مع التكتيكات التي يستخدمها المتمردون. وفي تلك الأثناء، تكافح قوات سوريا الديمقراطية لتأمين عشرات الالاف من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وأنصارهم المعتقلين لديها، ناهيك عن بدأ المصالحة والاندماج مرة أخرى في المنطقة. وبغير الالتفات إلى جميع هذه القضايا، سيظل الاستقرار طويل الأجل في شمال شرق سوريا محل شك بغض النظر عن السيطرة الإقليمية.

وهناك زيادة في هجمات الكر والفر الفتاكة التي يشنها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في شمال شرق سوريا، بما في ذلك استخدام العبوات الناسفة يدوية الصنع. وتشير التقارير إلى أن الخلايا السرية تقوم حتى بعمليات ابتزاز واغتيالات عند نقاط التفتيش الليلية. ولا يزال عدد تلك الخلايا مجهولًا، غير أن قوات سوريا الديمقراطية تخشى أن يكون لدى المجموعة شبكة واسعة في جميع أنحاء شرق سوريا، في ظل عمل السكان المدنيين كمخبرين لصالح تلك الخلايا السرية.

ومؤخراً، حدد القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية ، مظلوم عبدي، الأولويات خلال المرحلة التالية من المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، بما في ذلك القضاء على الخلايا النائمة، والتعامل مع الاف المعتقلين، واقتلاع الإيديولوجيا، دون التطرق إلى المزيد من التفاصيل الملموسة. وبدعم من التحالف الدولي، تجري قوات سوريا الديمقراطية عمليات عسكرية واستخباراتية للتعرف على الخلايا السرية والتخلص منها بمساعدة شبكة من المخبرين المحليين. غير أن السرية التي تتسم بها عمليات داعش، وانعدام الثقة والاستياء من قوات سوريا الديمقراطية التي يهيمن عليها الأكراد ستقوض جهود مكافحة التمرد.

وبالإضافة إلى اعتقال الالاف من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في الأشهر الأخيرة، فضلاً عن مئات الأجانب، اعتقلت قوات سوريا الديمقراطية في “الباغوز” “5,000” مقاتل آخر، و”55,000″ مدني، والعديد منهم يرتبط بعلاقة قوية مع تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، واكتظت مراكز الاعتقال الرسمية بهذا العدد، وهو ما أجبر قوات سوريا الديمقراطية على وضع أسوأ المقاتلين في المعسكرات والمدارس التي تفتقر إلى الأمن اللازم. وبمساعدة التحالف، تقيم قوات سوريا الديمقراطية في الوقت الراهن سياج حول تلك المنشئات، وتثبت القضبان على النوافذ، وتزيد من عدد حراس الأمن لمنع الهروب من السجن.

وحتى في المنشآت الأكثر أمناً والتي يقبع فيها قادة “داعش” وغيرهم من الشخصيات البارزة أو الشخصيات المحتمل أن تكون خطيرة، نجد أن المحاكم المحلية الخاضعة للإدارة الذاتية لقوات سوريا الديمقراطية تعاني من نقص شديد في الموظفين. وفي عام 2017، أدانت محاكم الإرهاب 674 شخصًا – وبهذه الوتيرة، ستستغرق العملية القضائية أكثر من عقد من الزمان لمقاضاة أعضاء داعش المحتجزين حاليًا. وبسبب بطء هذه العملية القضائية، هناك خطر أن تتحول مراكز الاحتجاز والمعسكرات إلى تربة خصبة لأفراد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” لتعزيز التطرف بين أعضائه الذين قد يكونوا أقل تحمسًا “للقضية”. ويتشابه هذا النمط تمامًا – وعمليات الهروب اللاحقة من السجن – مع المرحلة التي أعاد فيها تنظيم القاعدة ترتيب صفوفه في العراق في العام 2012.

وبحسب الوضع العام، لم تنجح قوات سوريا الديمقراطية كثيرًا في تحقيق هدفها المتمثل في اقتلاع أيديولوجية تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وذلك بسبب غياب واضح للبرامج الرسمية اللازمة لإعادة تأهيل المؤيدين الحاليين أو السابقين لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. ومع ذلك، كانت هناك عدد محدود من اتفاقيات المصالحة، وبمقتضاها تفرج قوات سوريا الديمقراطية عن مقاتلين محليين لم يشغلوا مناصب عليا في جهاز “داعش”، ولم يدانوا بجرائم خطيرة، ومن ثم تحرر قوات سوريا الديمقراطية جميع المقاتلين الذين تتوافر فيهم تلك الشروط وذلك بعد مناقشات مع زعماء القبائل البارزين في مجتمعاتهم بصفتهم المسؤولون عن منعهم من الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

وانطلاقًا من البيانات العامة التي تطلقها قوات سوريا الديمقراطية، أطلقت قوات سوريا الديمقراطية بموجب هذه العملية سراح بضع المئات من الأشخاص، ولا تزال الأرقام الدقيقة غير واضحة. ولم يخضع برنامج التأهيل لتقييم شامل، ولا يوجد تفاصيل حول بعض صفقات التسوية أو الإحصائيات الرسمية المتعلقة بإطلاق سراح المعتقلين.

إن مشاركة قادة المجتمع المحلي في إعادة دمج أنصار داعش السابقين ليست كافية لضمان تحقيق نتائج إيجابية. فعلى سبيل المثال، ليست هناك جهود واضحة لتوفير برنامج لإعادة تأهيل المقاتلين السابقين المُفرج عنهم، أو آليات متابعة لتقييم مدى اندماجهم. ويعتمد نجاح إعادة دمج المقاتلين المحليين في مجتمعاتهم المحلية – ومنع عودتهم إلى حظيرة “داعش” – على تطوير قدراتهم الذاتية، وتوفير برامج إعادة التأهيل والبرامج الاستشارية.

ولا تزال أولويات قوات سوريا الديمقراطية في المرحلة القادمة من حربها الأولية ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” تفتقر إلى مثل هذه الإستراتيجية الشاملة القادرة على القضاء على التهديد طويل الأجل. وفي الوقت الحالي، تركز قوات سوريا الديمقراطية جهودها على إصلاحات قصيرة الأجل لاحتواء التمرد بشكله الجديد بدلاً من علاجه.

وبدلاً من أن تحاول قوات سوريا الديمقراطية تنفيذ إستراتيجية شاملة من تلقاء نفسها، يجب عليها أن تتعاون مع مجموعات المجتمع المدني لإيجاد حلول للقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتأصلة والتي شهدت نمو الجماعات المتطرفة وازدهارها. ويجب على الحكومات الغربية، والتي ما زالت تواجه خطرًا كبيرًا في قتالها ضد هذا الشكل الجديد من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، تكثيف جهودها لزيادة الدعم المالي والتقني المقدم للمجموعات المدنية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية والدولة السورية والتي تختص بتلك القضايا.

ومن المرجح ألا تستطيع قوات سوريا الديمقراطية أو غيرها من المجموعات السورية إدارة حملة مكافحة التمرد هذه من تلقاء نفسها. ومن شبه المؤكد، أن يؤدي تجاهل الحاجة الملحة لخطة طويلة الأجل، بما في ذلك زيادة الدعم لأولئك الموجودين على الأرض، إلى تمكين “داعش” من الاستمرار في زعزعة استقرار سوريا، ومنع انتعاشها وتطورها، وبالتالي تقويض أمن المنطقة والعالم.