يحتاج التعليم في العالم العربي إلى مزيد من الثقافة العربية

ريم تينا غزال

AFP photo: Mohammed Huwais

اشتُهر على ألسنة الناس حديث: “اطلبوا العلم ولو كان بالصين”، ولقد تربيت أجيال منذ قرون على هذه المقولة، كما استجاب العالم العربي لهذا القول بطريقة غير متوقعة، من خلال إطلاق برامج اللغة الصينية في العديد من المدارس في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وتباينت ردود فعل العامة على هذا الأمر، فمنهم من رحب بهذا الأمر باعتباره أمرًا جديدًا على المنطقة، ومنهم من شكك في هذه الخطوة باعتبارها أنها قد تشكل تهديدًا إضافيًا للغة العربية بالنسبة لجيل يتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة وشغوفًا بها.

وربما يكون المشككون محقون في رأيهم.  ففي استطلاع الشباب العرب لعام 2015، قال ثلثا الشباب الذين شملهم الاستطلاع، وتتراوح أعمارهم ما بين 18 و24 عامًا، قلقون من تراجع استخدام اللغة العربية، وقال أكثر من الثلث إنهم يستخدمون اللغة الإنجليزية أكثر من اللغة العربية في تعاملاتهم اليومية. وكانت هذه الظاهرة سائدة بشكل خاص في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث قال “56%” من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي إنهم يستخدمون اللغة الإنجليزية أكثر من العربية، مقابل “24%” في الدول الأخرى.

فما السبب في هذا؟ الإجابة بسيطة: لقد ارتاد هؤلاء المدارس البريطانية أو الأمريكية في بلدانهم الأصلية، ثم التحقوا بإحدى الجامعات التي تدرس باللغة الإنجليزية خارج البلاد في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا. وأصبحت اللغة الإنجليزية هي اللغة الرئيسية في حياتهم المهنية.

ومن العوامل التي تساعد على ذلك هو أن فصول تدريس اللغة العربية تفتقر إلى التحديث، وتبعث على الملل. وخلصت دراسة في العام 2013 حول وضع اللغة العربية إلى أنه من الواجب تنقيح “أساليب تدريس اللغة العربية” وتحسينها وتحديثها. و”يبدو أن فصول تدريس الأدب العربي وتاريخه وتراثه ما هي إلا فكرة عارضة، ويبقى التركيز الرئيسي على المناهج البريطانية أو الأمريكية.

وهناك عوامل أخرى مؤثرة، وبعضها من الصعق الاعتراف بها، مثل عدم الثقة في نظام التعليم باللغة العربية. وهناك “عقدة الخواجة”، والتي تعني حرفيًا “عقدة الأجنبي. وهي عقدة مستمرة منذ فترات الاستعمار، حيث يحكم العرب على أنفسهم بالصورة النمطية الاستشراقية، بينما يفضلون الأجانب (عادة الغربيين) على شعبهم في العمل أو التجارة.

ومنذ عقود، هناك فكرة مقبولة على نطاق واسع وهي أنه إذا أراد الشخص مستقبلاً أكثر إشراقًا لأولاده، فيجب عليه إلحاقهم بالمدارس البريطانية أو الأمريكية الخاصة، مما يسهل عليه الدراسة الجامعية بالخارج. (وهذا في مجمله ليس صحيحًا).

ورغم ذلك، فإن نظام التعليم القديم داخل المدارس العربية بعيدًا جدًا عن التصنيف الثاني. فعندما كنت أدرس في إحدى جامعات كندا، وجدت أنني أنجزت المناهج الأساسية في مادتي الرياضيات والعلوم مبكرًا بثلاث سنوات عن دراستي في مدرستي العربية في المملكة العربية السعودية. وحصلت أيضًا على منهج تأسيسي متكامل في اللغة العربية. وفي أغلب الأحيان، كانت المدارس في المملكة العربية السعودية في فترة التسعينيات، تخصص متوسط تسع حصص في الأسبوع لتدريس المواد الدينية. وفي المرحلة الإعدادية، كانت الحصص المخصصة لتدريس المواد الدينية “ثماني” حصص في الأسبوع. وكنا ندرس أيضًا تسع حصص من اللغة العربية و12 حصة لباقي المواد – مثل الجغرافيا والتاريخ والرياضيات والعلوم والفنون والتربية البدنية  (أو الاقتصاد المنزلي للفتيات) – وكل ذلك في مجمله يشكل منهجًا صعبًا للغاية.

وبالنظر قليلاً إلى تاريخ التعليم في المنطقة، سنرى قريبًا أن عادة شعوب الشرق الأوسط والمتمثلة في البحث عن المعرفة وتعزيز النقاش قد تجلى في تلك الحقيقة وهي أن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي نطقها الناس ويتدارسونها في الوقت نفسه. وكان التنوع الثقافي الذي يشهده الشرق الأوسط دلالة على أن التعلم من الثقافات الأخرى كان أمرًا مقبولاً.

وهناك في “بيت الحكمة” الشهير، والذي تأسس في بغداد في القرن التاسع، ترجمات لأعمال من جميع أنحاء العالم. ويشتمل التراث الغني للحضارة الإسلامية الغنية في عصرها الذهبي، بدءًا من منتصف القرن السابع عشر وحتى القرن الثالث عشر، على أعمال العرب وغير العرب، رجالاً ونساءً، على حد سواء. فالعلامة العشرية والجبر وأدوات قياس الأجرام السماوية والتقدم الطبي ليست سوى بعض الاكتشافات والاختراعات التي يدين بها العالم لعقول هذا العصر الذهبي. واكتشفت تلك العقول أيضًا الأدب والموسيقى والفنون والهندسة المعمارية – وكل جانب من جوانب الحياة.

وعلى الرغم من هذا الحب للتعلم في منطقة الشرق الأوسط عبر قرون من الزمان، أثبتت دراسة تلو الأخرى أن منطقة الشرق الأوسط متخلفة عن ركب الأمم في مجال التعليم. وفي تقرير صدر في العام 2013 عن “معهد بروكينجز”، يشير التقرير إلى أن الطلاب لا يتعلمون المهارات الأساسية”. ومازالت فنلندا وكوريا الجنوبية على قمة الترتيب العالمي في مجال التعليم، تليها هونج كونج واليابان وسنغافورة في المراكز الخمسة الأولى. واحتلت الولايات المتحدة المرتبة السابعة عشر، والمملكة المتحدة في المرتبة السادسة، وذلك وفقًا للتقرير العالمي لعام 2014 الصادر عن شركة “بيرسون” للتعليم.

وكيف يمكننا الاستفادة من تلك الإحصائيات؟ تدرس فنلندا وكوريا وهونج كونج وباقي الدول في قمة الترتيب العالمي مناهج دراسية مختلفة عن بعضها بعضًا، ووسائل التدريس غير متماثلة، والضابط لها هي ثقافة الدولة. وهذا، بالمناسبة، يثير مسألة القيمة التي تقدمها المدارس البريطانية والأمريكية، والمنتشرة بكثرة في قطاع “المدارس الدولية” في منطقة الشرق الأوسط وفي أي مكان آخر في العالم، للطلاب المحليين في الشرق الأوسط وخارجها. فنحن نفتقر إلى الثقة لبناء مدارسنا الخاصة وفقًا للمعايير الثقافية السائغة لعقول أطفالنا، مما يمكنهم من تطبيقها بأفضل طريقة ممكنة. وفي الواقع، من الواضح أن كلمة “محلي” (وهي النقيض لكلمة “دولي”) لا تشكل عائقًا أمام العمل في الجامعات الخارجية. فعلى سبيل المثال، هناك علماء من هونغ كونغ وماليزيا وسنغافورة من ضمن المجموعات كبيرة العدد للطلاب الأجانب من خارج الاتحاد الأوروبي الذين درسوا في جامعة كامبريدج، على الرغم من قلة عددهم نسبيا.

وبالنظر إلى تنوع العالم العربي، مع احتفاظ كل دولة بهويتها وتاريخها، فربما من غير الممكن وضع منهج عربي شامل. لكن هذا لا يمنع كل دولة من تقييم الوسائل التعليمية التي ثبت فعاليتها سابقًا وما فشل منها، ثم البدء من جديد.

وقال الشيخ زايد، الأب المؤسس لدولة الإمارات العربية المتحدة، “التعليم مثل الفانوس الذي يضيء طريقك في زقاق مظلم”. ولذا، بينما نمضي قدمًا في عالم تزداد فيه العولمة انتشارًا، فلماذا لا نستخدم الفانوس المصنوع محليًا؟

ريم تينا غزال، حصلت على جائزة أفضل صحفية. وفي العام 2003، اصبحت “ريم” من أوائل السيدات في التراث العربي اللاتي يسند إليهن مهمة تغطية مناطق الحروب في الشرق الأوسط.