مصر تقف أمام فرصة وضع المعايير الجديدة في مجال حماية المرأة

ياسمين الجمال

منذ عام ساهمت تغريدة الممثلة الأمريكية أليسا ميلانو في إطلاق حركة عالمية رفعت فيها النساء أصواتهن ضد التحرش الجنسي وطالبت بالاعتراف بضحاياه وأكدت دعم الحركة لهنّ. وتحولت حركة #metoo (“ana kaman”) لتصبح على كل لسان في الولايات المتحدة وساعدت في جلب المئات من المتحرشين الجنسيين أمام العدالة، وكان لها أثر واضح في بلدان أخرى، فأصبحت مصدر إلهام للنساء في جميع أنحاء العالم فاجتمعن بالتضامن مع الضحايا.

لكن ليست كل محاولات التعبير لناجحة. في مصر حيث لطالما كان التحرش الجنسي مشكلة، فقد تم تغريم إحدى النساء وحكم عليها بالسجن كرسالة ضمنية للمرأة المصرية: تحملي تداعيات فضح أي مضايقات تتعرضين لها. وقد اتُهمت الممثلة الناشطة أمل فتحي بتلطيخ سمعة البلاد، كما أنها تواجه الآن اتهامات أكثر جدية بالانتماء إلى جماعة محظورةو استخدام موقع على شبكة الإنترنت لتعزيز الأفكار الداعية لهجمات إرهابية“. وانتقدت منظمات حقوق الإنسان والناشطات على حد سواء المعاملة القاسية التي تعرضت إليها، غير أن الدعاية السلبية التي ولّدتها القضية للبلاد لربما هي فرصة أمام مصر للتغيير.

يبقى التحرش الجنسي في مصر من الشكاوى الشائعة بين النساء المصريات والأجنبيات على حد سواء، وغالباً ما تقوم السائحات بالإبلاغ عن التعليقات غير المرغوب فيها والمضايقات التي تتعرضن إليها من قبل الرجال. وجاء في تقرير هيومن رايتس ووتش لعام ٢٠١٨ أن التحرش الجنسي والعنف ضد المرأة لا يزالان متوطنينفي البلاد.

وأظهرت حركة #metoo بجلاء إن مصر ليست الدولة الوحيدة التي تعاني من تلك المشكلة، والإحصائيات حول التحرش الجنسي ترسم صورة قاتمة لما تعانيه المرأة. وتشير الأبحاث التي أجراها مركز تحليل السياسات العالمية في جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس إلى أن ٦٨ دولة لم تتخذ أي إجراءات من شأنها حماية المرأة من التحرش الجنسي في مكان العمل، ويعني ذلك إن 235 مليون امرأة من القوى العاملة في تلك الدول لا خيار لها سوى الصمت أو الإبلاغ بغض النظر عما يمثل ذلك من خطر مهني أو اجتماعي. هذا بالنسبة لمكان العمل. أما خارج مكان العمل، فتشارك النساء قصصًا مروعة حول التحرش الجنسي وتأثيره على حياتهن اليومية.

بالفعل، فقد وضعت مصر قوانين لمكافحة التحرش الجنسي ، ولكنها لا تنفذ دائمًا. وفقاً لأرقام شهر أغسطس على موقع الشوراع المصرية ، تنص المادة ٣٠٦ من قانون العقوبات على أنه يمكن الحكم على من تثبت إدانتهم بالتحرش الجنسي اللفظي في مكان خاص أو عام بالسجن لمدة ستة أشهر كحد أدنى وغرامة لا تقل عن ٣٠٠٠ جنيه. يواجه المخالفون المتكررون عقوبة السجن لمدة لا تقل عن سنة واحدة وغرامة لا تقل عن ٥ آلاف جنيه ويعاقب على جرائم إضافية مع ضعف الغرامة والحكم بالسجن.

و يبقى التواصل الجنسي غير المرغوب فيه محظوراً بموجب القانون. وينص القانون على معاقبة المنتهكين بالسجن لمدة لا تقل عن عام وغرامة تتراوح بين١٠ آلاف و ٢٠ ألف جنيه. إذا كان التحرش الجنسي يحدث في مكان العمل وكان موجهاً من قبل مدير أو شخص ما في موقع سلطة تجاه موظفيه، فيمكن الحكم على هذا الشخص بالسجن لمدة لا تقل عن سنتين وتغريمه ما لا يقل عن ٢٠ ألف جنيه. العقوبة القصوى لهذه الجريمة هي السجن لمدة خمس سنوات وغرامة قدرها ٥٠ ألف جنيه.

استجابة العدد الهائل من النساء اللواتي عبّرن عما عشنه من تحرّش في جميع أنحاء العالم، يبقى السؤال الذي يواجه الحكومات الآن على المستويين الوطني والمحلي: هل تقف مع النساء وتساعدهن على العيش في بيئة مطمئنة لا خوف فيها على كرامتهن أو حياتهن؟ أو هل تقمع أصواتهن وتترك المجال أمام بيئة يسودها عدم الاحترام والخطر؟

وقد اختارت مصر حتى الآن النهج الأخير هذا، ولكن لم يفت الأوان بعد لتغيير المسار على أن تكون الدعاية السلبية التي نتجت عن قضية أمل فتحي بمثابة دعوة لليقظة تحث القيادة المصرية على التصرف، وتمكنها من اتخاذ العديد من الإجراءات الرائدة لتفتح الطريق أمام إصلاحات هيكلية ومجتمعية ضرورية حول التحرش الجنسي .

أولاً ، يجب على الحكومة ضبط كلماتها وأفعالها عندما يتعلق الأمر بهذه القضية. في عام ٢٠١٤ ، أمر الرئيس عبد الفتاح السيسي مكافحة التحرش الجنسي في البلاد. كما حث المسؤولون المصريون النساء في السابق على الإبلاغ عن التحرش الجنسي عبر هواتفهن المحمولة. لكن النقاد يشيرون إلى أن تلك الخطوات لم تؤدي إلى أي تقدم على أرض الواقع وبإمكان الرئيس السيسي أن يدين علنًا ​​مرة أخرى وباء التحرش الجنسي المتفشي عالمياً ويؤكد أنه سيؤدي دوره في قيادة التصدي للتحرش الجنسي في بلده. إذا كان الرئيس يوجه صوته إلى هذه القضية ويوضح أنها مشكلة عالمية بالفعل، فيمكنه أن يقطع أشواطاً في عكس المفاهيم العامة.

وبعد ذلك، يمكن أن يلتقي الرئيس السيسي مع ضحايا التحرش الجنسي ومع جماعات مناهضة للتحرش للاستماع إلى مخاوفهم والعمل معهم على الرد. بالنسبة للجماعات التي تعمل ضد التحرش الجنسي في مصر، فإن عقد اجتماع مع الرئيس سيبعث بإشارة قوية و يؤكد أنه جاد في مساعيه لوضع حدٍ لهذه الظاهرة وبذلك يستمع شخصياً إلى ما عاشته الضحايا فيضع الحلول والردود المناسبة، مثل تخصيص الموارد للمسؤولين المناسبين بطريقة تتناسب مع المشكلة.

بالإضافة إلى ذلك ، يجدر على الحكومة تمكين المؤسسات الوطنية والمحلية من مساءلة المتهمين بالتحرش الجنسي، وتطبيق القوانين القائمة حول هذه القضية. كما يجدر عليها توضح ضرورة التنفيذ الفعلي للقوانين الحالية والعواقب النترتبة من عدمه، مثل تخفيض وإقالة المسؤولين الذين تثبت ضدهم الاتهامات أو يغضون النظر عنها. وعلى الرغم من أن غرامات التحرش الجنسي شديدة البالفعل بالمقارنة مع راتب المواطن العادي، فإن رفعها أكثر من ذلك قد يكون رادعاً للمتحرشين المحتملين.

وبعد مرور عام على ظهور حركة #metooضد التحرش الجنسي، فما زال الطريق أمامنا طويلاً. في مصر، البلد الأكثر اكتظاظاً بالسكان وذي الأثر الثقافي الأكبر في العالم العربي، يتمتع الرئيس السيسي بفرصة تاريخية للوقوف مع الحق، والدعوة إلى الدفاع عن المرأة المصرية وحمايتها بشكل واضح وصريح. وآمل فعلاً أن يغتنم تلك الفرصة.

AFP PHOTO/KHALED DESOUKI