يحتضن الشرق الأوسط الجرافيتي، فهل هذا الجرافيتي آفة للبيئة الحضرية أم ضربًا من الفنون؟

أليكسا مينا

AFP photo: Anwar Amro

يعرض متحف اللوفر أبوظبي حاليا لوحة ” كابرا” للرسام “جان ميشال باسكيات”. ولمن لا يعرف الرسام “باسكيات”، فانه الشخص الذي يرتبط اسمه بهذا النوع من الفنون الجميلة والمُسمى بفن “الجرافيتي”. غير أن الجملة السابقة بالتحديد تحمل معنيان لا يتماشيان مع بعضهما، أولهما، أن الجرافيتي، والذي يُقال عنه بأنه أحد فنون الشوارع الأكثر مناهضة للمؤسسات، وقد نجا هذا الفن من حملات عدة لاستئصاله من البيئات الحضرية، وثانيهما، هي أن الجرافيتي معروض الآن في المعارض الفنية. وفي الواقع، قد تفيد المراحل التي مر بها الجرافيتي حتى يكون ضربًا من الفنون في الاستدلال على رحلة هذا الفن بدءًا من الموثوقية حتى التقليد. غير أن تزايد شعبية هذا الفن في الشرق الأوسط دون بقية العالم، تثير العديد من التساؤلات.

وبدءًا من المليون جنيه إسترليني قيمة بيع لوحة “فتاة البالون” (وأٌعيد تسميتها “الحب في سلة المهملات) للرسام “بانسكي” في مزاد علني، وصولاً إلى ماركة “Streetwear” والتي تهيمن على أعمال جميع المصممين البارزين تقريبًا، نجد أن ثقافة الشارع تشهد فترات مجدها – أو ربما انحطاطها. بل أن محلات “تيفاني” للمجوهرات الفاخرة والمعروفة بأناقتها الكلاسيكية، استغلت “الشارع” لتدشين حملتها “Tiffany blue” في العام 2018، فقامت “بتشويه” معالم واجهات متاجرها بفن “الجرافيتي”.

ويلاحظ كبار المسؤولين في مدن العالم انتشار ظاهرة فن الشارع. فها هي دبي قد وفرت مؤخرًا تمويلاً لمشروعات فن الشوارع كجزء من خطط المدينة للتحول إلى “متحف مفتوحًا”. ويبدو أن الجرافيتي، والذي كان يٌعتبر في وقت أنه عمل منفر للعين وآفة لبيئة الحضر، أصبح الآن مرغوبًا فيه بشدة، ومحط اهتمام وقبول لدى فئة الشباب في المدينة.

ولكن كيف يمكن التوفيق بين فن الشارع المسموح به، والذي يهدف إلى جذب السياح وإضافة جاذبية بصرية لمنطقة وبين نشأته الرامية إلى التمرد؟. وفي الواقع، فإن التحول من التخريب المعقول، إلى القبول التجاري ليس بالأمر الغريب، فقد كان الناقد الفني “رينيه ريكارد” مدركًا في العام 1981 لإمكانية استغلال فن الجرافيتي تجاريًا، حيث وصف رسم الجرافيتي الأكثر شهرة والمعروف بـ”القنبلة”، بأنه “شعار تلقائي مثالي”، لكن ليس [لأسماء] الفنانين، بل [لـ] علامتهم التجارية.”

ومن السهولة بمكان أن يتعرف محبو الرسم على الأشكال الجديدة المرسومة، مثل أعمال الرسام “بانكسي”، وبالتالي يسهل على الفانين الترويج لها وبيعها. ويسافر الناس لرؤية أعمال الرسام “بانكسي”. ويعرض سبعة عشر “17” متحفا حول العالم نسخ غير مصرح بها من فن الجرافيتي للرسام “بانكسي” للاستفادة من جاذبيته. وأصبحت مدن نيويورك وبوغوتا ولندن وبرلين وملبورن مشهورة جداً بفن الشوارع، مما جعلها تخصص جولات سياحية لهذا النوع من الفن.

وتتسم العلاقة بين فن الجرافيتي والمؤسسات دومًا بالتنافر. ويمثل فن الجرافيتي في أدنى صورة شكلاً حقيقيًا من أشكال التخريب، لما فيه من تشويه للممتلكات وإتلافها، فضلاً عن أنه محظور في معظم الدول. ورغم ذلك، فإن الجرافيتي في أرقى صوره، ولكونه عملاً من أعمال التمرد، وشكلاً من أشكال التعقيب، يتماشى بسهولة مع تعريف الفن المعاصر. ومن الناحية الفكرية، لا يوجد صراع بين الجرافيتي كعمل تخريبي وكفن معاصر، فالأمرين سواء. وتظهر المشكلة عندما يُفرغ الجرافيتي من مضمونه، وذلك عندما يكون وجوده غير معبر عن صرخة شارع عميقة أو تعليق غاضب. إن اللحظة التي يكون فيها الجرافيتي فنًا “مقبولًا” – أو ربما أكثر قبولاً لدى المجتمع، هي تلك اللحظة التي يكون فيها مقبولاً لدى الطبقة البرجوازية – والتي توقفت عن ممارسة هذا النوع من الفن. وحينئذ، فيكون الجرافيتي ليس عملاً تخريبًا أو فنًا، بل نوع من الزينة.

ومن خلال السياق، يمكن تحديد نوع العمل الفني في ضوء التعريفان المتناقضان لفن الجرافيتي. ولا يزال الجرافيتي، النموذج الأصلي للتمرد، في حالة ازدهار، وبالأخص، في المناطق التي تشهد صراعات، مثل في فلسطين. ومن ناحية أخرى، فإن ما يتم صناعته في راحة وأمان وبرعاية أحد الرعاة ليس جرافيتي. وإذا كان الغرض من الجرافيتي هو الزخرفة، فإنه إذا ليس ضربًا من الفنون الجميلة.

إن الرسومات الموجودة في شوارع أبوظبي ودبي وأماكن أخرى في المنطقة تشبه إلى حد كبير الرسومات الزائفة والتخريبية الموجودة على واجهات متاجر “تيفاني”. وفي منطقة الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي تقدر الوئام والتوافق المجتمعي أكثر من الاختلاف، وتشكك بشدة في نوايا الاحتجاجات، فهل يؤدي انتشار الجرافيتي “المعتمد” في نهاية المطاف إلى استئصال قوة الجرافيتي الأصلية، وحتى قوته كفن من الفنون الجميلة؟

ومما يثلج الصدر، أن تتبنى المدن فن الشارع، مما يعطي هذا النوع من الفن الاعتراف الذي يستحقه. الا ان الفنانين المكلفين بتنفيذ “جرافيتي” مخالف للقانون، لا يفعلون ذلك بصفتهم جزء من مجتمع غاضب وثائر سياسيا. ولم يصف الرسام “باسكيات”، وهو الذي “وسم” جدران مدينة نيويورك بعبارة “SAMO”، لوحته ” كابرا ” بالفن الجرافيتي، رغم أن العمل تأثر بشدة بالطريقة التي نفذ بها “باسكيات” هذه اللوحة الفنية. واضطر “باسكيات” للهرب من الشرطة عندما وسم جدران مدينة نيويورك بعبارة “SAMO”، ورغم ذلك، كان لديه معرضًا فنيًا وقت أن أطلق اسم “باسكيات” على إحدى لوحاته الفنية. وفي الوقت الراهن، يحصل فنانو الشوارع على علب الطلاء بالرش ويدفع ثمنها مجالس البلدية. ويبدو أن الجرافيتي عاد إلى نقطة الصفر أو يدور في حلقة مفرغة.