نهاية الطريق تلوح أمام اتفاق إيران النووي

الين ليبسون

حذر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية “رافائيل ماريانو غروسي” في 10 يونيو من أن تحركات إيران الأخيرة بشأن برنامجها النووي قد تمثل “ضربة قاتلة” لجهود استعادة الاتفاق النووي المبرم في عام 2015، وهي الاتفاقية التي وقعتها إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا، وقد انقلب حال تلك الاتفاقية رأساً على عقب عندما انسحب الرئيس السابق دونالد ترامب منها في عام 2018. ولم يجد الرئيس “جو بايدن” طريقة للعودة لتلك الاتفاقية وإعادة الولايات المتحدة إلى المشاركة الرسمية فيها على الرغم من تعهدات حملته الانتخابية في عام 2020، وصعبت الإجراءات الإيرانية في الأشهر الأخيرة من موضوع إعادة الصفقة إلى هدفها الأصلي، وهو تقييد الأنشطة النووية الإيرانية وتخفيف العقوبات.

ولعدة أشهر تأرجت المحادثات لإحياء اتفاقية الحد من التطورات النووية الإيرانية، ما بين التقدم الدبلوماسي البطيء والتعثر المستمر، وسميت تلك الاتفاقية باسم خطة العمل الشاملة المشتركة والتي يرمز لها بـ (جي سي بي أو أي). لكن المزاج مال للسوداوية مع قرار إيران إغلاق 27 كاميرا مثبتة لمراقبة انشطة التخصيب بموجب شروط اتفاقية 2015، وقد أدى ذلك إلى تضاؤل ​​الثقة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا بأن المجتمع الدولي يمكنه إنهاء هذه العملية بنجاح.

وسيؤدي هذا الوضع المحبط إلى مجموعة من الردود، بدءًا من أولئك الذين وجدوا دائمًا أن الاتفاقية كانت عبارة عن تكتيك لتأخير ما يعد مواجهة حتمية مع إيران، إلى أولئك الذين سيساورهم الشك حول ما كان يمكن القيام به بشكل مختلف للحفاظ على خطة العمل الشاملة المشتركة. وهناك ثلاث مجالات يمكن أن تساعدنا في فهم كيفية وصولنا إلى هذه المرحلة، وهي السياسة الأمريكية، وحسابات إيران، والبيئة الجيوسياسية المتغيرة.

ويتساءل الكثيرون في الولايات المتحدة عن سبب عدم امتلاك إدارة بايدن لاستراتيجية أفضل لإعادة الولايات المتحدة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، فعلى عكس اتفاق باريس للمناخ، والذي أعلن الرئيس ببساطة أن سياسة ترامب قد ألغيت، بدا أن فريق بايدن يشعر بأنه مضطر للضغط من أجل الوصول إلى اتفاق أفضل من الاتفاقية الأصلية، فضلا عن الحيرة حول كيفية تخفيف العقوبات. وأدى الضغط الذي مارسه كل من الجمهوريين والديمقراطيين، الذين كانوا متشككين منذ فترة طويلة في الاتفاقية، إلى صياغة سياسة مطولة، مع تنسيق جديد مع الحلفاء الأوروبيين بشأن المخاوف النووية وغير النووية التي يمكن أن يُنظر إليها على أنها تعقد المهمة الدبلوماسية الأساسية المتعلقة بخطة العمل الشاملة المشتركة. وليس من الصحيح أن التكهنات بالرغبة في تقليص التزامات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أو أن الغزو الروسي لأوكرانيا، هما ما أبعد مشكلة إيران عن الصدارة، ولكن يبدو أن تلك التكهنات هي جزء من الرواية خارج الولايات المتحدة.

واعترف “روب مالي” وهو مسؤول الإدارة الأمريكية حول اتفاقية إيران في شهادته الأخيرة: أن سياسة ترامب المتمثلة في “الضغط الأقصى” على إيران لم تكن مثمرة إلى درجة أن فريق بايدن واجه صعوبات جمة بفضلها، فلم يكن من الوارد العودة ببساطة إلى المشاركة الأمريكية الكاملة في ذلك الاتفاق.

ومن الصعب فهم رواية الجانب الإيراني لهذه القصة، فهل يريد قادة إيران القضاء على الاتفاقية، أم أنهم يعتقدون أن صمودهم سيمنحهم المزيد من التنازلات في المفاوضات؟ ونظرًا لأن السلطة مركزة في يد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وعدم ثقته المطلقة بالمؤسسات الدولية، فربما كانت إيران تأمل في الحصول على تنازلات بشأن العقوبات، ولكنها ستكون على استعداد للعيش مع الغاء خطة العمل الشاملة المشتركة، وسواء كان ذلك يعني السباق لامتلاك سلاح نووي قابل للعمل بالكامل، أو هدفا أقل من ذلك، لايزال كل ذلك في علم الغيب.

فهل تعتقد إيران أن رياح الوضع الإقليمي تجري في صالحها؟ وهل سيكون مثل ذلك الاعتقاد عاملاً أساسياً في رسم ملامح سلوكها في الملف النووي؟

وأحد المتغيرات الرئيسية في المنطقة هو توطيد العلاقات العربية الإسرائيلية، بالرغم من عدم مشاركة الفلسطينيين فيها. إن تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب والسودان هو بالتأكيد خسارة لإيران، خاصة بالنظر إلى أن التهديد الإيراني أكثر من أي عامل آخر هو ما دفع الدول إلى إعادة التفكير في تلك العلاقات، وقد نددت إيران بما تسميه “الناتو العربي الصهيوني” ومن الحكمة أن تأخذ مؤسسات إيران الأمنية التعاون الأمني ​​الجديد بين خصومها بكل جدية، لكن الإيرانيين يجدون أيضًا وبصورة ماكرة  جانبًا مشرقا في ذلك، ففي شرح اتفاقيات إبراهيم، يرى النقاد الإيرانيون هاجساً موحدًا وهو انسحاب أمريكا من المنطقة، وتلك هي الإستراتيجية الكبرى لإيران، لذلك إذا أدت هذه الاتفاقيات إلى تقليل النفوذ الأمريكي لأن الدول الإقليمية ستتحمل مسؤولية أكبر، فإن إيران ستبقى هي الفائزة.

وحول عملاء إيران في بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء، فإن الصورة مختلطة وشديدة الفوضى، إن انهيار لبنان كدولة وتراجع قوة حزب الله التصويتية ليست بالأخبار الجيدة لإيران، لكن ربما تجد طهران أن استخدام الأراضي اللبنانية كمنصة لطائرات بدون طيار وصواريخ كافٍ لتلبية مصالحها، وبالمثل، فإن عدم سقوط سوريا شيء جيد بما يكفي لإيران، لكن علاقاتها مع العرب والأكراد ليست سهلة على الإطلاق.

واتخذ العراق، حتى قبل استكمال تشكيل الحكومة، خطوة غريبة تتمثل في إصدار تشريع ينص على أن أي اتصال مع إسرائيل يعد خيانة، ويفترض أن ذلك جهد رمزي في الغالب لمقتدى الصدر حتى لا تتغلب عليه المزيد من الفصائل الشيعية الموالية لإيران، وهي خطوة ضارة بشكل غريب، من ناحية رغبة العراق في الاندماج في المنطقة، والتقليل من الاعتماد على إيران، والحفاظ على تعاون أمني مثمر مع الدول الغربية.

لذلك قد تقنع عوامل الجغرافيا السياسية الجديدة طهران بأنها تستطيع العيش بدون خطة العمل الشاملة المشتركة، والعمل مع روسيا والصين لعرقلة أي إجراءات عقابية جديدة، وتحقيق انتصارات صغيرة في الدول العميلة لها، بالنسبة لبقية المنطقة، وللقوى الغربية، فإن العالم بدون خطة العمل الشاملة المشتركة هو عالم أكثر خطورة. إن تحسين التعاون بين تلك الدول التي تخشى إيران قد يكون تطوراً إيجابياً، لكنه ليس كافياً لتحقيق الأمن الإقليمي.

 

إلين لايبسون هي مديرة برنامج الأمن الدولي في كلية شار للسياسة والحكومة بجامعة جورج ميسون في فيرجينيا، وهي نائبة سابقة لرئيس مجلس المخابرات القومي الأمريكي.