حلم أردوغان النووي سيكون كابوسًا للعلاقات التركية الأمريكية

عمر تاسبينار

AFP Photo: Tobias Schwarz

يبدو وكأن مشاكل تركيا الحالية مع الناتو – والتي أشعلها شراء تركيا لنظام الدفاع الصاروخي الروسي – لم تكن مثيرة للقلق بدرجة كافية، حيث يريد الآن رئيسها القوي، رجب طيب أردوغان، امتلاك أسلحة نووية. وقد صرح أردوغان علانية ولأول مرة عن هذا الأمر في خطاب ألقاه الشهر الماضي بمناسبة الذكرى المئوية لحرب الاستقلال التركية. وبعد أن أشاد بالتقدم الذي أحرزته البلاد في الصناعات الدفاعية، قال “أردوغان”: “لقد حققنا نجاحات هامة. وهذا شيء عظيم. وتمتلك حتى الآن بعض الدول صواريخ بها رؤوس حربية نووية، ولا تمتلك تركيا هذا النوع من الصواريخ. وهو أمر لا يمكنني القبول به. تمتلك تقريبا جميع الدول المتقدمة قدرات نووية. وانظروا إلى إسرائيل. هل لديهم أسلحة نووية؟ نعم، كما إنهم يستأسدونعلى الدول الأخرى بسبب امتلاكها تلك الأسلحة النووية. ولا تستطيع أي دولة الاقتراب منها.”

وبفرض أن كلام أردوغان أُسيء فهمه، تناول “أردوغان” هذا الموضوع مرة أخرى الأسبوع الماضي، في نيويورك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي تحد لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، والتي تشكل تركيا أحد أطرافها، قال “أردوغان”: “بالنسبة لموقف الطاقة النووية، فيجب حظره على جميع الدول، أو السماح به لجميعها. إن القضية النووية واحدة من بين العديد من القضايا الأخرى التي تسبب عدم التوازن والظلم في هذا العالم. ” وحتى في ضوء معايير “أردوغان” الاستفزازية، فإن موقفه هذا يمثل خروجًا ملحوظًا عن الوضع الراهن. وفي الفترات الأولى من حكمه حيث الحياة أكثر ديمقراطية واعتدالًا، تحدث “أردوغان” عن الحاجة إلى “نزع السلاح النووي” في العالم. ولا شك أن هذا الموقف “النووي الصفري” كان لا يزال يشوبه قدر من الاستياء القومي والإسلامي. ويشعر “أردوغان” بالغضب من المكانة النووية لإسرائيل، وبالاستياء بسبب أن ميزان القوى الإقليمي كان يميل لصالح الدولة اليهودية. وبنفس القدر من الأهمية، كان موقف “أردوغان” المناهض للأسلحة النووية رسالة مقنعة إلى طهران، وهي: لا تصنعوا أيضًا السلاح النووي.

والآن، يعتقد أردوغان، الشخصية الأكثر تشددًا، أن الأمر لم يعد متعلقًا بامتلاك تركيا السلاح النووي من عدمه، بل أصبح متعلقًا بتوقيت هذا الأمر. وبالطبع هذا تطور خطير، ولكنه أمر غير متوقع على الإطلاق. ومع قرار إدارة ترامب بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، فهناك احتمال متزايد بأن ترفع إيران من قدراتها النووية قريبًا. وهذا عامل مهم لتركيا. لأن أنقرة وطهران ليسا خصمين جيوسياسيين، في جوهر الأمر، كما أن التنافس التركي-الفارسي له جذور عميقة، وأردوغان هو القومي الذي يأخذ مسألة الهيبة والمكانة النووية على محمل الجد.

ولكن، أليست تركيا محمية فعليًا بموجب المظلة النووية لحلف الناتو؟. بالطبع، ماتزال تركيا عضوًا في الناتو. كما أنها واحدة من الدول القليلة في الناتو التي لديها أسلحة نووية تكتيكية أمريكية على أراضيها. ووفقا لمعظم التقديرات، تستضيف قاعدة “إنجرليك” الجوية التركية ما يقرب من خمسين “50” قنبلة نووية حرارية من النوع “B61” تحت إشراف القيادة الأمريكية. ومع ذلك، فإن الحقيقة المحزنة للعلاقات التركية الأمريكية هذه الأيام هي أن غالبية الأتراك ينظرون إلى الولايات المتحدة على أنها التهديد الأول للأمن القومي لبلادهم. ومن الواضح أن الدعم العسكري الأمريكي للأكراد السوريين قد تحول إلى كابوس لهذه الشراكة التي كانت استراتيجية يومًا ما. وعلى هذا النحو، وعندما يعتقد معظم الأتراك أن واشنطن تريد إنشاء كردستان مستقلة، تصبح المظلة النووية التي يوفرها الناتو لبلادهم بلا جدوى.ومن الأمور التي لا يمكن تجاهلها أيضًا هي أن انعدام الثقة في واشنطن ليس بالأمر الجديد. فحتى أثناء الحرب الباردة، كانت أنقرة متشككة في الالتزامات الأمريكية. ولا تزال إزالة صواريخ كوكب المشتري من تركيا في أعقاب أزمة الصواريخ الكوبية في عام 1962، والتحذير الشنيع الذي أصدره الرئيس الأمريكي “ليندون جونسون” في عام 1964 بأن الناتو لن يأتي لإنقاذ تركيا إذا أدى غزوها لقبرص إلى إثارة الجانب السوفيتي، عالقة في أذهان الكثير من الأتراك حتى الآن. وفي الحقيقة، تفاقمت شكوك أنقرة حول النوايا الأمريكية مع نقل أمريكا مركز حساباتها الجيوسياسية إلى الشرق الأوسط بعد نهاية الحرب الباردة. وأصبح تفهم الموقف التركي أكثر صعوبة في ظل المشكلة القائمة حتى الآن بين تركيا والأكراد، بجانب حقيقة أن الأكراد العراقيين والسوريين أصبحوا من الشركاء المفضلين لدى واشنطن

.وأخيرًا، لم يؤدي الانقلاب الفاشل في عام 2016 إلى تعقيد العلاقات الثنائية فحسب، بل المسألة النووية أيضًا وبشكل واضح. وأقلعت عدة طائرات من طراز F-16 يقودها داعمو الانقلاب من قاعدة إنجرليك الجوية. وهو ما دفع تركيا إلى اتهام أمريكا بالمشاركة في الانقلاب.  وبالطبع، اكتسبت نظرية المؤامرة هذه القوة في ضوء الشكوك الأوسع نطاقًا بأن الانقلاب كان في الواقع مدبرًا من ولاية بنسلفانيا من قبل الداعية الإسلامي المنشق، فتح الله غولن. وبالنظر إلى هذا الاضطراب في العلاقات التركية الأمريكية، فليس من المستغرب أن يشكك الكثيرون في واشنطن الآن في حكمة الاحتفاظ بالأسلحة النووية التكتيكية في تركيا. ويتابع الأتراك عن كثب النقاش الدائر في واشنطن حول توفير بديل لقاعدة “إنجرليك” الجوية التركية، وهو الأمر الذي يثير سخط الأتراك.إن الأزمة بين تركيا والولايات المتحدة بشأن شراء منظومة الدفاع

الصاروخية الروسية “S-400″، وما تلاها من تعليق مشاركة تركيا في مشروع الطائرات المقاتلة F-35 هذا العام، قد أوضح لأنقرة مشكلة الاعتماد على حلف شمال الأطلسي” الناتو” والولايات المتحدة الأمريكية. ويجب النظر إلى انشغال أردوغان في الآونة الأخيرة حول مستقبل تركيا النووي في السياق القومي. إن تركيا النووية مازالت حلمًا حتى وقتنا هذا. ولكن إذا سعت أنقرة إلى تحقيق حلمها، فسيتحول هذا الحلم إلى كابوس آخر في طريق علاقات تركيا مع الغرب. عمر تاسبينار، احد كبار الزملاء في معهد بروكينغز، وأستاذ استراتيجية الأمن القومي في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن.