أردوغان يُهدي غُصن الزيتون إلى بشار الأسد من أجل الانتخابات التركية القادمة

حايد حايد

Image courtesy of Osman Orsal / Pool / AFP

أعربت تركيا مؤخرًا عن رغبتها في إقامة حوار مع الحكومة السورية بعد سنوات من العلاقات التي شابها الكثير من التوتر، وكانت هذه البادرة بمثابة مفاجأة للكثيرين نظرًا لعدم وجود مؤشرات تُذكر على أن مثل تلك المحادثات قد تفضي إلى أي تقدم على الأرض، ولا يزال هناك عداء مستشري وانعدام ثقة بين الرئيسين رجب طيب أردوغان وبشار الأسد بعد مضي أكثر من عقد من دعم تركيا مقاتلي المعارضة السورية الذين يقاتلون قوات الأسد، وكان بإمكان روسيا في وقت من الأوقات لعب دور الوسيط، لكن غزو أوكرانيا يعني أن موسكو ليست في وضع يمكنها من تولي مثل هذه المهمة الآن.

ولكن لن تثير مبادرة أردوغان الكثير من الحيرة إذا ما نظرنا إليها من منظور الانتخابات العامة المقبلة في تركيا، فمن خلال الظهور في مظهر المستعد لإصلاح العلاقات مع الأسد، يأمل أردوغان في تخفيف الاستياء الواسع النطاق الناجم عن سياساته تجاه سوريا واللاجئين، والذي قد يكلفه الانتخابات القادمة، فضلاً عن أمور أخرى.

وكشفت صحيفة “حريت” الموالية للحكومة عن استعداد أنقرة للدخول في محادثات مع دمشق، حيث ذكرت الصحيفة التركية اليومية، مستعينة بمصادر مجهولة، أن الأولويات الرئيسية لتركيا لإعادة العلاقات مع سوريا هي تمهيد الطريق لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم ومواجهة الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني (بي كي كي)، و الذي تخوض معه تركيا معركة استمرت عقودًا وتعتبره منظمة إرهابية.

وفي محاولة للظهور بمظهر المتفائل، نقلت الصحيفة عن مسؤولين بالحكومة التركية اعتقادهم أن زيارة الأسد الشهر الماضي إلى الإمارات العربية المتحدة كانت إشارة إلى سعيه وراء الدعم وفرص جديدة، وألقت المصادر باللوم على روسيا وإيران لعرقلة فرص سابقة كان من شأنها تحسين العلاقات مع سوريا. وأشاروا من خلال هذه التصريحات إلى أن الوضع الآن أكثر ملاءمة لبداية جديدة مع دمشق بالنظر إلى أن أقرب حلفاء النظام السوري منشغلون بقضاياهم الخاصة: روسيا مع أوكرانيا وإيران مع المحادثات النووية.

ولكن لا يبدو أن دمشق حريصة على الرد على تلك البادرة التركية بمثلها، حيث نقلت صحيفة الوطن الموالية للحكومة عن مصادر في وزارة الخارجية السورية أن سوريا لا تزال مصرة على تنفيذ شروطها المسبقة للدخول في أي حوار مع تركيا، ومن أهم تلك الشروط هو انسحاب القوات التركية من سوريا، الأمر الذي من العصب على تركيا قبوله، فوجودها في سوريا هو العقبة الرئيسية التي تمنع النظام من استعادة آخر جيب تسيطر عليه المعارضة في الشمال الغربي، وإذا استطاع الأسد تحقيق مثل ذلك النصر العسكري، فذلك من شأنه تجريد تركيا من ورقة التفاوض الرئيسية في سوريا، كما سيرسل المزيد من اللاجئين السوريين إلى تركيا، مما سيؤدي إلى تفاقم مشاكل أردوغان بدلاً من حلها.

ولا يبدو إحجام النظام السوري عن السعي للمصالحة مع أنقرة هو نموذج تكتيكي لما قبل المفاوضات، فالفترة القصيرة نسبيًا قبل الانتخابات العامة التركية تعني أن أي حوار لن يفيد سوى تركيا، والدخول في مثل هذه المحادثات سيسمح لأردوغان بكسب أرضية سياسية في الداخل، بغض النظر عن نتيجة تلك المفاوضات. كما تعني كراهية الأسد الشخصية لأردوغان أنه سيتجنب فعل أي شيء من شأنه مساعدته محليًا، على أمل الإطاحة به في الانتخابات واستبداله بحكومة تركيا صديقة للأسد.

ويبدو أن عجز مبادرة أردوغان عن تحقيق أي نتائج هو أمر ثانوي بالنسبة له، فهو يأمل في تسحين صورته في الداخل وحشد الدعم السياسي له من خلال إرسال إشارات تصالحية إلى سوريا، وهناك استياء كبير بين الأتراك تجاه الأربعة ملايين لاجئ سوري المقيمين في بلدهم. وفي ظل المناخ السياسي ثنائي القطب في تركيا، يُنظر إلى اللاجئين السوريين على أنهم نتيجة لسياسة أردوغان الفاشلة في سوريا، وعليه، يعتبرهم العديد من المحللين أحد الأسباب الرئيسية وراء الخسارة التاريخية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات المحلية في عام 2019.

وبناء عليه تغير نهج الحكومة التركية تجاه اللاجئين السوريين بشكل كبير، حيث بدأت القوات الأمنية في اعتقال اللاجئين وإعادتهم إلى المحافظات التركية التي تم تسجيلهم فيها، كما تم ترحيل بعضهم بينما تم حث آخرين على العودة إلى ديارهم.

واستمر الخصم السياسي الرئيسي لأردوغان وهو حزب الشعب الجمهوري، في انتقاد طريقة تعامل الحكومة التركية مع قضية اللاجئين، ووعد بالتعامل مباشرة مع الأسد لإعادة اللاجئين السوريين، وفي وقت سابق من هذا العام، تعهد زعيم حزب الشعب الجمهوري بإعداد الخطة لعودة اللاجئين في غضون عامين.

ويبدو أنه لم يتبق أمام أردوغان سوى خيار واحد وهو محاكاة وعد حزب الشعب الجمهوري، خاصة في ظل عدم وجود عمليات ترحيل جماعية قبل الانتخابات. ومن خلال هذه الخطوة، يأمل أردوغان في إعادة التواصل مع حليفه الانتخابي، وهو حزب الحركة القومية، بالإضافة إلى العديد من أنصاره السابقين الذين يعطون الأولوية حاليًا لعودة اللاجئين السوريين لديارهم على ولائهم للحزب الحاكم.

وحتى لو لم ينجح ذلك المسعى، فإن الحكومة التركية ستظهر للناخبين الأتراك بشكل غير مباشر أنها تحاول إصلاح أخطائها من خلال محاولة التواصل مع الأسد لإعادة اللاجئين، كما أنه سيقدم تلميحًا واضحاً للناخبين الأتراك بإنهاء التدخل المباشر لتركيا في سوريا.

ليس من الواضح مدى نجاح خطوة أردوغان المحسوبة في إعادة التواصل مع الأتراك الذين أوقفوا دعمهم له بسبب سياسته تجاه سوريا، لكن ما يبدو مؤكدًا هو أن الأسد وأردوغان لن يتصافحا عما قريب.

 

الدكتور حايد حايد هو كاتب عمود سوري وزميل مشارك استشاري في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس.