مأزق أردوغان: هل تنجو الشعبوية من الوباء؟

عمر تاسبينار

AFP Photo: Bulent Kilic

القادة الشعبويين مثل رجل تركيا القوي رجب طيب أردوغان هم بالفِطرة يعانون من حالة عدم استقرار، وهُم يمارسون الحكم عبر شيطنة خصومهم السياسيين، والكابوس الذي يطاردهم يتمثّل في فزعهم من الانتقال إلى صفوف المعارضة، وبالنظر إلى علاقتهم الهشة بحكم القانون فإن فقدان هؤلاء للقوة يعني فقدانهم للحرية وربما أكثر في بعض الأحوال، وهُم لديهم شغف لا يتوقف بتوجيه المناشدات الجماعية لهم، كما أنهم يريدون من الناس أن يحبوهم تمامًا كما يخشونهم، وهذا الأمر ينتج عنه حالة من الفصام تفضي إلى مكافاة المتملقين وزيادة الفساد بصورة ممنهجة، وفي الظروف العادية فإن تلك الأنظمة تنجو بفضل المناورات والدعاية، وهي تتحكم في تدفق الأخبار وتضع الأجندات وتصنع أوهامًا باعتبارها من النجاحات وذلك من أجل الاستهلاك المحلي.

لكن الفترة الحالية ليست بالعادية، وتركيا أردوغان ليست استثناء. وحينما أجبر الوباء أردوغان على تعطيل مجالات كثيرة من الاقتصاد؛ اكتشف أردوغان سريعًا أن قدراته محدودة فيما يتعلّق بتزييف الحقائق، ولن  يستطيع نظام من النجاة من انتشار البطالة على نطاق واسع أو انهيار الموارد المالية. ومن ثم فستكون النتيجة الحتمية حينئذ حدوث اضطرابات اجتماعية عاجلًا أم أجلًا. واليوم وبسبب انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19) فإن تركيا أردوغان – المثال الواضح على الشعبوية وحكم الفرد – تواجه تلك الأزمة الخاصة بالحُكم.

وقد كانت تركيا تعاني بالأساس من الانكماش الاقتصادي قبل مدة طويلة من ظهور فيروس كورونا، وثقة المستهلكين كانت ضعيفة والاستثمارات الأجنبية المباشرة توقفت تقريبًا منذ العام 2018، وقد شهد أردوغان آثار تلك التطورات ودفع ثمنًا سياسيًا باهظًا في الانتخابات المحلية التي جرت الصيف الماضي.

والطبيعي أن تكون خسارة أردوغان وحزبه الانتخابات في اسطنبول وأنقرة وإزمير وجميع المدن الكبرى تقريبًا بمثابة تحذير واضح، فقد صوّت الناخبون من أجل التغيير وإدارة أفضل للاقتصاد. ومنهج أردوغان المُفضّل الذي يعتمد على صنع أوهام تتعلق بالنمو والرفاهية والمشروعات الإنشائية المبالغ فيها أثبت فشلًا ذريعًا، والأزمة الاقتصادية كانت أعمق من أن يتم التغطية عليها، واليوم فإن أردوغان مُصِرّ على تأجيج الوهم الخاص بالمشروعات العقارية عبر تقديم القروض بفائدة منخفضة بدلًا من تنفيذ إصلاحات اقتصادية باتت البلاد في أشد الحاجة إليها.

واليوم ومع ظهور تبعات وباء كورونا على الاقتصاد فإن أردوغان بات يواجه أزمة شديدة تتعلق بالديون، والشركات الصغيرة والمتوسطة باتت عاجزة بسبب توقف الاستهلاك بشكل مفاجئ، وباتت الليرة التركية تعاني انخفاضًا دائمًا أمام الدولار، والاحتياطيات الأجنبية أصبحت قليلة وباتت هناك أزمة تلوح في الأفق تتعلق بقدرة الشركات على الوفاء بالالتزامات، ولو فشل الاقتصاد في التعافي فإن تركيا حينها لن تجد سوى اللجوء لصندوق النقد الدولي مرة أخرى بحثًا عن وسيلة للإنقاذ.

وما جعل الأمر أشد سوءًا بالنسبة لأردوغان هو أن الشعب التركي بات على يقين من أن الرجل لن يستطيع إلقاء المسؤولية على الآخرين، وذلك بسبب احتكار القوة ونمط الرئاسة الإمبريالي الذي ابتدعه هو، حتى أن أردوغان لم يعُد لديه رئيس وزراء كي يستطيع إلقاء اللوم عليه.

والواقع أن مُعظم اللوم عن سوء إدارة أزمة الوباء بات يقع على الرئيس بشكل فعلي، وحتى مع ارتفاع عدد حالات فيروس كورونا فإن أردوغان لم يلتفت للنداءات التي توصي بإغلاق البلاد، وقد كان من تبنّى تلك النداءات هو عمدة اسطنبول أكرم إمام أوغلو النجم الصاعد الذي ينتمي لحزب الشعب الجمهوري، والذي يعتبره الكثيرون مرشح الرئاسة المستقبلي.

وأردوغان لا زال يقاوم مسألة القيام بالتحركات المطلوبة لأنه يخشى من أن يؤدي ذلك إلى توقف جميع الأنشطة الاقتصادية، وهو لا يريد أيضًا لإمام أوغلو أن يتصدر المشهد فيما يخص أية مبادرة وطنية، والواقع أن أردوغان يخشى من أن المعارضة التي باتت تسيطر على جميع المدن الكبرى ستنجح في إدارة الأزمة بشكل أفضل من الحكومة المركزية، ولهذا السبب عمد أردوغان إلى وقف جمع التبرعات على مستوى المحليات، تلك التبرعات التي تدعم الفقراء.

وفي ذات الوقت، فإن أردوغان وحكومته يدفعان باتجاه استصدار قانون يسمح بإطلاق سراح حوالي ثلث السجناء بغرض السيطرة على انتشار فيروس كورونا، والنقطة الجديرة بالملاحظة هي أنه على الرغم من الإفراج عن عتاة المجرمين، فإن الحكومة لن تُفرِج عن النشطاء السياسيين، بما فيهم رواد حملات الديمقراطية وحقوق الإنسان والمنشقين السياسيين.

وقد جاء التصرف الأحمق من الحكومة خلال شهر إبريل، وفي خطوة جاءت مفاجئة للكثير، قررت الحكومة إغلاق 31 مدينة بشكل أسبوعي بسبب فيروس كورونا، وقد تم الإعلان عن القرار قبل ساعتين فقط من دخوله حيز التنفيذ، وهرع الآلاف إلى المحال التجارية من أجل تخزين المنتجات، والكثير منهم لم يكن يرتدي الكمامة الواقية رغم أنها من الأمور الإجبارية، وقد أثارت صور الحشود في الشوارع انتقادات حول كيفية قيام الحكومة بتنفيذ مسألة الإغلاق، مما أدّى إلى استقالة وزير الداخلية سليمان سويلو، وقد رفض أردوغان الاستقالة لأنه لا يريد الظهور بمظهر الضعف.

وكل هذا التبجُح سينتهي قريبًا على أي حال. ومؤخرًا أعلنت تركيا بهدوء عن تأجيل تفعيل اتفاقية منظومة الدفاع الجوي الروسية الصنع إس-400، والواقع أن مسألة شراء دولة عضو في حلف شمال الأطلنطي (ناتو) معدات عسكرية روسية قد أثارت غضب الولايات المتحدة، وآخر ما يريده أردوغان الآن في وقت يعاني فيه الاقتصاد من الانهيار هو مواجهة عقوبات اقتصادية وعسكرية تفرضها الولايات المتحدة، تلك العقوبات التي تنتظر تصديق الكونجرس الأمريكي عليها.

وقد قام محللي الأسواق بتفسير قرار تأجيل صفقة إس-400 على أنه علامة على أن أردوغان سيطلب دعمًا ماليًا من صندوق النقد الدولي قريبًا، ولا يمكن لشيء أن يقضي على الشعبوية أسرع من إجراءات التقشف التي يفرضها صندوق النقد الدولي، والصحيح أن الشعبويين يعانون بالفطرة من عدم الاستقرار، وربما يكون أردوغان الآن هو أكثر الأشخاص الذين يعانون من عدم الاستقرار.

 

عمر تاسبينار هو أحد كبار الزملاء البارزين لدى معهد بروكينغز، وأستاذ إستراتيجية الأمن القومي في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن. يمكن لك تحميل صورة عالية الدقةللمؤلف عبر موقعنا