أوروبا تواجه خيارًا مريرًا بشأن المهاجرين عبر البحر المتوسط

فيصل اليافعي

انتهت محنة السبعة والأربعون “47” مهاجرًا العالقين بعرض البحر في مركب إنقاذ قبالة الساحل الإيطالي لمدة عشرة “10” أيام. ولكن بالنسبة للحكومة الإيطالية، والتي أثارت الخلافات بعد أن رفضت السماح لقارب الإنقاذ بأن يرسو على الشاطئ الإيطالي، وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإنه مازال يسعى جاهدًا للتوصل إلى سياسة موحدة للهجرة، وهذا الخلاف ليس الأخير في معركة الإرادات طويلة الأمد.

وبدأ الخلاف الأخير حول الهجرة في أواخر شهر يناير، وذلك عندما أنقذت سفينة تابعة لإحدى المنظمات غير الحكومية الألمانية، وتسمى سفينة “The Sea Watch3″، المهاجرين في المياه الواقعة شمال ليبيا، وحاولت أن ترسو في إيطاليا، غير أن السلطات الإيطالية رفضت طلبها بدعوى أن السفينة تحمل علم هولندا، ويجب عليها أن ترسو في هولندا، غير أن هولندا رفضت هذا الإدعاء مستشهدة بلوائح الاتحاد الأوروبي. وبعد أن ظلت قابعة في المياه خارج إيطاليا لأكثر من أسبوع، وفي البداية حاولت المنظمة غير الحكومية الألمانية مقاضاة الحكومة الإيطالية، قبل أن يتوصل الطرفان إلى تسوية الأسبوع الماضي، وبمقتضاها تستطيع السفينة أن ترسو في إيطاليا، مع توزيع المهاجرين على ست دول أخرى من الاتحاد الأوروبي.

ووصفت المنظمة غير الحكومية الألمانية التأخير في منح السفينة تصريح لأن ترسو في الشاطئ الإيطالي بـ”حالة احتجاز رهائن”، غير أن نائب رئيس الوزراء الإيطالي المتشدد “ماتيو سالفيني” بدا عازمًا على أن يجعل من هؤلاء المهاجرين عبرة، ومن ثم ادعى انتصاره.

بيد أن ملحمة السفينة “Sea Watch” لم تكن الخلاف الأخير في هذا الصراع الطويل، فهناك نقاش أعمق بكثير من مجرد الخلاف على إحدى السفن، وينصب حول سؤال واحد، وهو: من المخول بصياغة سياسة الهجرة الخاصة بالاتحاد الأوروبي؟، وهذا هو محور الخلاف القائم بين الحكومات والمؤسسات التابعة للاتحاد الأوربي والذي يدفع المهاجرين إلى أن يسلكوا طرقًا تشكل تهديد لحياتهم، وتضع الروابط السياسية بين دول الاتحاد نفسه على المحك.

وتتضمن سياسة الهجرة إلى أوروبا إجراءات بالغة الصعوبة، إذ يتوجب على المهاجر طلب اللجوء في أول دولة يصل إليها من دول الاتحاد الأوروبي، وهذا يدل على أن دول الواقعة جنوب الاتحاد الأوروبي وشرقه ستتأثر تأثيرًا متباينًا بهذا القرار. وليس كل من وصل إلى الاتحاد الأوربي طالبًا للجوء، فقد يكون مهاجرًا لدوافع اقتصادية ويبحث عن حياة أفضل، غير أن بعض الدول الأوروبية، وبعد أن شعرت أنها مغلوبة على أمرها، سعت إلى وضع ضوابط صارمة للتفرقة بين هاذين النوعين من المهاجرين، ورفض أكبر عدد ممكن من المهاجرين لدوافع اقتصادية.

وما زاد الوضع تعقيدًا هو الطرق المتعددة التي يسلكها المهاجرون للعبور إلى أوروبا. ومنذ العام 2016، بعدما عقدت تركيا اتفاقًا مع الاتحاد الأوروبي لوقف عبور المهاجرين إلى حدودها، تراجعت أعداد المهاجرين الذين يسلكون ما يسمى “طريق البلقان”.

وفي الوقت الحالي، ماتزال القوارب التي يعبر معظمها من دول جنوب البحر المتوسط، وبالأخص دولة ليبيا، مقسمة بين الحكومات المتناحرة في إلى إيطاليا أو إسبانيا أو اليونان. ووصل العام الماضي إلى أوروبا قرابة الـ”140,000″ مهاجرًا، وكانت وجهة الأغلبية الساحقة من هؤلاء المهاجرين إلى تلك الدول الثلاث فقط، ويشكل هذا الرقم تغيرًا كبيرًا مقارنة بمليون مهاجر وصلوا إلى أوروبا عندما وصلت أزمة اللاجئين ذروتها في العام 2015، ورغم ذلك، مازالت الأزمة بحاجة إلى موارد كبيرة.

ويتوقف مصير هؤلاء المهاجرين البائسين على الخلاف السياسي العام داخل الاتحاد الأوروبي.

ويعود السبب الأصلي لهذا الخلاف إلى “ماتيو سالفيني” نفسه، وهو رجل شعبوي متصلب الرأي، ولديه قناعة بأن الحكومات المركزية يجب أن تتبنى سياسة الهجرة التي تناسبها وحدها، وعلى استعداد للدخول في معارك عديدة مع الاتحاد الأوروبي والحكومات المركزية مباشرة، وبالأخص فرنسا.

ولا خلاف على محور الشكاوى التي يفندها “ماتيو سالفيني”، لأن إيطاليا تتحمل قدر غير مناسب من أعباء الموجة الحالية من المهاجرين، ورغم ذلك، فإن الدول الأخرى في الاتحاد الأوروبي تتحمل هي الأخرى عبء لا طاقة لها بها.

وبدلاً من العمل من خلال مؤسسات الاتحاد الأوروبي، افتعل “ماتيو سالفيني” والأحزاب الأخرى في ائتلاف اليمين المتشدد الذي يرأسه معارك متعددة ومباشرة ليس فقط بخصوص الهجرة، بل أيضًا بخصوص موازنة الدولة، وانتقد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والمؤسسة له مثل فرنسا. وغضبت فرنسا بسبب تصريحات أحد الساسة البارزين في إيطاليا بعدما قال بأن فرنسا لم تتوقف يومًا عن “استعمار” الدول الإفريقية، وتستخدم قوتها الاقتصادية في “إفقار القارة الأفريقية، وإجبار شعوب القارة الأفريقية على الرحيل منها، ومن الواجب أن يعيش الافارقة داخل افريقيا نفسها وليس في عرض البحر المتوسط”.

وبعد أن أصبحوا من أكثر الجهات رفيعة المستوى التي تنتقد سياسة الاتحاد الأوروبي، أصبح الائتلاف الإيطالي و”ماتيو” نفسه حجرة عثرة أمام إصلاحات قوانين الهجرة، والسبب في ذلك أن الاتحاد الأوروبي حتى وإن كان راغبًا في إدخال إصلاحات سريعة على قوانين الهجرة، فإنه يواجه حاليًا خيارًا مريرًا.

والحل الوحيد لإصلاح سياسة اللجوء والهجرة إلى أوروبا، هو أن تستقبل الدول الأخرى الأعضاء غير الواقعة على الحدود الشرقية أو الجنوبية المزيد من المهاجرين. غير أن الحكومات المركزية ترفض ذلك، وترى أنه رغم الخلاف الذي يحيط بهذه المسألة، فماتزال الهجرة مستمرة عبر القارة.

ويمنح هذا الإصلاح أيضًا نصرًا واضحًا لحكومة “ماتيو” الشعبوية – وبالنظر إلى ما قاله “ماتيو” بأن الاتحاد الأوروبي “يدمر إيطاليا” و”يجعلها دولة فقيرة”، فهناك رغبة بسيطة في ذلك، ناهيك عن مدى التمكن الذي ستحظى به أحزاب اليمين المتطرف في أي مكان في أوروبا بسبب هذا النصر.

لكن حتى وإن لم تكن ثمة رغبة في مساعدة “ماتيو” فيم يريده، فهذا لا يدل على أن المشاحنات المتواصلة بين الحكومة الإيطالية والقادة الأوروبيون لن يكون لها صدى. وبالإضافة إلى اقتراب خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، فهناك الأزمة اليونانية المستمرة حتى الآن، وصعود أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب المناهضة للهجرة في أنحاء القارة الأوروبية، وهذا يؤدي إلى حالة من الجدل العام والتي من شأنها أن تغذي شعور الانقسام بين الدول الأعضاء ويهدد وحدتهم، ويساهم أيضًا في بث شعور بأن الاتحاد الأوروبي لا يحتكم إلى قوانين فعلية، بل تلك القوانين التي وضعتها الحكومات المركزية.

ومن المؤكد أن إصلاح سياسة الهجرة أمرًا ضروريًا، بيد أن الاتحاد الأوربي بطيء جدًا في إجراء أي تغييرات هامة. وبدلاً من ذلك، اتخذ الاتحاد قرارات متفرقة بشأن اللاجئين، فألمانيا تسمح ببقاء مليون لاجئ دخلوا إلى أراضيها خلال الفترة ما بين العام 2014 و2015، وهناك اتفاق أبرمه الاتحاد الأوروبي مع تركيا في العام 2016، فضلاً عن الاتفاقيات الصغيرة التي وقعها الاتحاد الأوروبي مع حكومات أفريقيا جنوب الصحراء للحد من وصول اللاجئين إلى البحر المتوسط. وفي الشهر الماضي، تعهد الاتحاد الأوروبي بتخصيص مبلغ قدره “150” مليون دولار أمريكي لدعم توفير الوظائف في إثيوبيا والتي تستضيف تقريبًا مليون لاجئ إفريقي.

وعلى مدار تلك الفترة، فهناك المهاجرون القادمون من إفريقيا، الذين يئسوا في العثور على حياة أفضل لأنفسهم، وأصبحوا أداة سياسية تنتقل من منطقة جغرافية إلى أخرى تحت رحمة تغيير القوانين والمهربين، ويظلوا عالقين في البحر المتوسط أو مدن شمال إفريقيا، يتمنون ان يجدوا ملجأ.

وفي ظل استمرار الخلاف ببين دول الاتحاد الأوروبي، ينتظر المهاجرون العالقون خارج أسوار الاتحاد الرد على طلباتهم.

AFP PHOTO/FEDERICO SCOPPA