على أوروبا إعادة النظر في أسلوب تعاملها مع سوريا

نور سماحة

AFP photo: Louai Beshara

حان الاوان لأوروبا أن تعيد النظر في أسلوب تعاملها مع سوريا، فبعد ثمانية سنوات من الصراع الوحشي الذي مزق أواصر المجتمع ودمر الدولة واجبر الملايين على الرحيل عن ديارهم لم يسقط النظام ولن يسقط كما كان يأمل الغرب. فالحكومة السورية التي يترأسها بشار الأسد ظلت على قيد الحياة وان كانت ممزقة ومهلهلة.

حتى الان انحصر التوجه الأوروبي تجاه سوريا على فرض العقوبات- كسياسة أكثر منها أداة- ولا شيء أكثر من ذلك. وسمح ذلك لأوروبا بالشعور بالرضا- وأنها تفعل شيء – لمعاقبة النظام لوحشيته اثناء الحرب في المقام الاول وللانتصار الذي حققه في الحرب في المقام الثاني. لم يكلف ذلك أوروبا الكثير لأنها لم تتدخل عملياً على ارض الواقع. الحقيقة ان ما يأمله صانعو السياسات بالاتحاد الأوروبي ان تؤتي تلك  العقوبات والضغط الاقتصادي المتزايد ثمارها: فإجبار النظام على تقديم تنازلات في محادثات جنيف او اركاع النظام او دفع الشعب للقيام باحتجاجات شعبية انما يعكس تعاملا سيئا مع قدرة الحكومة السورية على النجاة. فكما نجت من الحرب ل”نفسها الطويل”-وقدرتها على تحمل ضغوط الحرب اكثر من اعدائها- الى جانب التزام حلفائها بتقديم الدعم العسكري والمادي، يعتزم النظام النجاة من هذه الحرب الجديدة ايضا وهو ما ستفعله مهما كان الثمن. وان كان ذلك لن يبعث على الاستقرار فانه لن يؤدي الى اصلاح النظام او خلعه.

بشكل عام، تتمسك أوروبا بآرائها تجاه قضايا اللاجئين والهجرة والامن والإرهاب. ورغم ذلك تتباين الآراء داخل الاتحاد الأوروبي حول أسلوب التعامل مع سوريا بناء على مصالح واولويات كل دولة من دوله أخرى.

الوضع حالياً داخل سوريا قاتم، فما زالت  هناك أحياء مدمرة بأكملها. كما اصاب الحصار الاقتصادي الذي فرضه الغرب وحظر امدادات الوقود، البلاد بالشلل خلال أشهر الشتاء، مما فرض أعباء إضافية على السكان الذين ما زالوا يعانون من ويلات الحرب. وارتفعت معدلات التضخم الى مستويات لم تصل اليها خلال اسوأ شهور الحرب وأصبح الان ما يزيد عن 80% من السكان تحت خط الفقر.

وليس في نية الغرب التخفيف من وطأة هذا الحصار، حيث أخفقت برامج دعم الاستقرار في المناطق التي لا تخضع لسيطرة الحكومة كما ان الغرب يفقد الثقة في الأمم المتحدة وفي صناع القرار الموجودين على الساحة. ومن ثم فلا يوجد أي خيار الا العقوبات.

وقد اصابت هذه العقوبات الاقتصاد في المقتل، فالمجتمع المدني يعاني، والخدمات الاجتماعية تدهورت وارتفعت معدلات الاغتيالات في الجنوب. وتعمل الحكومة من جانبها على تنمية العلاقات مع البلدان الأخرى لجذب الاستثمارات بينما تعزز من اعتمادها على حلفائها، روسيا وإيران، لتخطي هذه المرحلة كماإنها تعتمد على قدرة الشعب على الصمود وخوفه من استمرار العقوبات. وفي الوقت نفسه، يستمر فساد الحكومة وسوء إدارتها بلا رادع، واثرياء الحرب يزدادون ثراء ومشاريع إعادة الإعمار لا تزال بعيدة المنال وتأتي المشاريع التي تتسم بالرفاهية في الأولوية عن البنية التحتية.

ويعول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على تعظيم العقوبات الاقتصادية في محاولة لتهيئة ظروف تفاوضية أفضل لكن بقاء النظام قوياً يحول دون تحقيق هذا الهدف؛ و.مما يزيد الطين بلة تفاقم الأوضاع الأمنية.

وسوف يؤدي انهيار الدولة الى تحويل سوريا الى صومال جديدة، بلد ممزقة تديرها ميليشيات تحتل مناطق مختلفة من الدولة مع عدم وجود دولة مركزية، فمن ثم فسيختفي أي شكل من أشكال العقد الاجتماعي، وستنشأ أزمة هجرة جديدة وستواجه سوريا كارثة إنسانية أخرى.

ويقتنع دبلوماسيو الاتحاد الأوروبي ان الغاء العقوبات سيكون مكافأة للأسد ونظامه.ولكن على اوروبا أن تدرك أن تطبيق العقوبات – بدلاً من استراتيجية براغماتية تراعي الواقع على الأرض – لن يؤدي إلا إلى نتائج عكسية. فلن يعود اللاجئون الى سوريا طالما ظلت الحكومة تحت الحصار وغير قادرة على توفير الاستقرار الاقتصادي. وبطبيعة الحال يفكر هؤلاء الذين لم يبرحوا بلدهم وتحملوا ثمانية سنوات من الحرب في الرحيل نظرا لتطور الظروف الاقتصادية من سيء لأسوأ – وهو الوضع الذي سوف يكون له تأثير مباشر على مستقبل أوروبا اذ ينظر السوريون إلى ما وراء عداء الجيران للدولة بحثًا عن الاستقرار الاقتصادي والاستيطان.

فاستقرار سوريا في مصلحة أوروبا لأنه سيعني دولة مركزية قوية، حكومة فعالة، استقرار اقتصادي، وبنية تحتية تساعد على توظيف الملايين من المدنيين. ولا زال بوسع أوروبا تصحيح المسار والعمل على استقرار سوريا وحماية السوريين وتعزيز رفاهيتهم دون الاضطرار الى المساس بنظرتها الأخلاقية ضد النظام. وعليها التواصل مع المجتمع المدني السوري وصقل المنظمات غير الحكومية والنقابات العمالية والإدارات المحلية.

وعلى نفس القدر من الأهمية، يتعين على الاتحاد الأوروبي السعي للحصول على مساعدة السياسيين البرلمانيين في خلق مساحة للإصلاح الاقتصاديوالإصلاحات المدنية جنباً لجنب مع ضمان تحقيق مصالحهم. وبدلاً من منع وتشويه المنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية التي تعمل على دعم الاحتياجات الأساسية لأكثر الفئات ضعفًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، يجب على المانحين والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تقديم دعمهم لهذه المجموعات لمنع المزيد من التدهور في وضع السكان المحفوف بالمخاطر. والبديل هو المزيد من افقار الشعب السوري، واجبارهم على اللجوء الى النظام فقط للنجاة والبقاء على قيد الحياة.

ووفقا للوضع الحالي، فإن أوروبا لديها القليل من القوة التفاوضية مع النظام في الوضع الراهن وفي المستقبل ولكنها بوسعها تغيير ذلك الوضع، وحتى تفعل ذلك، فعليها التوقف عن فرض العقوباتبدون العمل على إيجاد حل على ارض الواقع.

نور سماحة باحثة ومحللة مقيمة في بيروت ولندن. كصحفية، غطت منطقة الشرق الأوسط لأكثر من عقد من الزمن، وأصدرت تقارير متعمقة وقصص تحقيقية وتناولت القضايا السياسية والسياسة الخارجية ضمن موضوعات آخري. كما انها اصدرت تقارير سياسية موجزة لمؤسسات مثل المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.