أوروبا تتجاهل مبادئها الليبرالية في ظل تعرض اللاجئون من دول الشرق الأوسط وأفريقيا للغرق

جوناثان جرونال

خلال شهر سبتمبر من العام 2015،ظهرت موجة من التعاطف اوحت بحدوث تغير ملموس وذلك بسبب صورة الطفل البالغ من العمر ثلاثة أعوام وهو راقد ميتًا على أحد الشواطئ التركية. فقد لقي “ألن كوردي” ووالدته “ريحان” ذات الخمسة وثلاثين “35” عام وأخوه “غالب” ذي الخمسة “5” أعوام مصرعهم غرقًا أثناء استقلالهم أحد القوارب المائية التي لا تصلح للإبحار وذلك في محاولة بائسة منهم لعبور المنطقة المائية الممتدة بين تركيا وجزيرة “كوس” اليونانية والبالغ مساحتها خمسة “5” كيلو أمتار. وسعت تلك الأسرة، ذات الأصول الكردية والتي اضطرت إلى الرحيل عن موطنها في سوريا بسبب الحرب الأهلية، إلى اللجوء إلى تركيا في انتظار الموافقة على طلب الالتحاق بعائلتها في كندا، غير أن كندا رفضت طلبها، ولهذا لجأ والد الطفلين “عبد الله” إلى محاولات بائسة، لكنه كان الناجي الوحيد. اننا نريد جذب أنظار العالم إلينا، هكذا تحدث الأب المكلوم إلى الصحافة واصفًا كيف انزلق أطفاله من يده”. وأضاف “يجب أن يكون طفلاي نداء يقظة للعالم قاطبة”.

وبعد مرور ثلاث سنوات، من الواضح أن العائلة لم تجذب أنظار العالم. وفي شهر سبتمبر من هذا العام 2018، لقي الطفل السوري “خالد نجمه” والذي يبلغ من العمر خمسة “5” أعوام مصرعه غرقًا أثناء محاولة أسرته العبور من لبنان إلى قبرص. ولم يلفت مصرعه أي اهتمام شأنه في ذلك شأن الآلاف غيره منذ العام 2015. ومن الواضح أن أوروبا أصبحت متبلدة المشاعر تجاه المأساة التي تقع على حدودها الجنوبية.

ووفقًا لأحدث الأرقام الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين في “30” نوفمبر، لقى “2,911” مهاجر مصرعهم غرقًا هذا العام أثناء محاولتهم عبور البحر المتوسط، وبهذا يصل عدد اللاجئين الغرقى منذ العام 2014 إلى 17,663 غريق، خمسهم من الأطفال.

ورغم أن أوروبا سمحت لبعض اللاجئين السوريين بالدخول إلى أراضيها، إلا أن الاتحاد الأوروبي فضل أن تتعامل كل دولة في الاتحاد الأوروبي مع مشكلة اللاجئين وفق مصلحتها، كما دفع الاتحاد الأوروبي الملايين إلى الدول المطلة على سواحل شمال أفريقيا من أجل اعتراض اللاجئين واحتجازهم، ويتجلى تداعيات هذا القرار في المعسكرات المؤقتة والمخيفة الموجودة في ليبيا حيث يعيش اللاجئون حياة بائسة فلا هم مرغوب فيهم من جانب الدول المستضيفة ولا هم قادرون على العودة إلى أوطانهم.

ورغم أن هذا التصرف الأوروبي القاسي والذي تنفذه دولة أخرى عنها بالوكالة قد بلغ مبلغه من السوء، إلا أن العديد من الحكومات الأوروبية قد وصلت على مدار السنة الماضية إلى درجة أكثر انحطاطًا، فهناك دول ومنها فرنسا ومالطة وإيطاليا قد ردت سفنًا محملة بمهاجرين جرى إنقاذهم. ومنذ 23 نوفمبر، تقطعت السبل باثني عشر مهاجرًا في عرض البحر ويرفض قارب الصيد الإسباني الذي أنقذهم أن يبحر بهم إلى أحد الموانئ الآمنة. وتؤكد كلٌ من مالطة وإيطاليا على ضرورة عودة الاثنا عشر مهاجر إلى ليبيا، رغم إعلان المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين من أن ليبيا دولة غير “آمنة” ولا يجب إرسال اللاجئين إليها.

والأسوأ من ذلك، هو احتجاز، على مدار الأربعة أشهر الماضية، العديد من سفن الإنقاذ التابعة لثلاث منظمات أوروبية غير حكومية في العديد من الموانئ الأوروبية لأسباب فنية زائفة.

وفي اليوم العالمي لحقوق الطفل والذي يوافق “20” نوفمبر، أصدرت المفوضية الأوروبية بيانًا أشارت فيه إلى أن “التزامها بحماية الأطفال حول العالم” كان “واجبًا أخلاقيًا”. وأضافت المفوضية بأنها “لن تهمل في حق أي طفل”.

ويتزامن هذا الكلام الأجوف مع السماح أخيرًا لسفينة الإنقاذ “Sea-Watch3” بالإبحار بعد مرور أربعة أشهر على احتجازها في مالطة، كما تعرضت للاحتجاز أيضًا سفينتان وطائرة بحث وإنقاذ تابعة لمنظمة الطيران الإنسانية السويسرية. والسؤال هنا، ما هو عدد المفقودين أثناء الأربعة أشهر الذين كان من الممكن إنقاذهم لو أنه لم يتم احتجاز تلك الأصول الثمينة؟

وخلال شهرين بدءًا من نوفمبر 2017 وصولاً إلى يناير 2018، بلغ عدد من أنقذتهم سفينة الإنقاذ “Sea-Watch3” وحدها 1,500 شخص. وقالت تلك المنظمة غير الربحية أنه أثناء فترة احتجاز السفينة، لقي حوالى 500 شخص – وربما أكثر – مصرعهم غرقًا، لأنه لا وجود لأحد عند تلك الحدود الأشد خطورة في العالم حتى يعلم الناس بمصيرهم”، فضلاً عن أنه من كل خمسة غرقى هناك طفل غريق.

ومن الصعوبة بمكان الاعتراض على ما أكدته المنظمات غير الحكومية بأن جهود الحكومات الأوروبية لإنقاذ أرواح اللاجئين قد ذهبت سدى لأسباب سياسية داخلية.

إن أزمة اللاجئين ليست صناعة أوربية، غير أنه يبدو أن بعض الدول الأغنى في العالم قد تخلت عن مسؤوليتها تجاه مد العون لضحايا الظروف البائسة، مما جعل تلك الدول لا ترى أي حلول سوى المخاطرة بكل شيء.

وبدافع خوفها من موجة الشعبوية القبيحة الآخذة في الظهور والتي انتشرت في أنحاء أوروبا عن طريق الجماعات السياسية التي تروج لمخاوف لا أساس لها بشأن التهديدات التي يشكلها اللاجئون بوجه عام ولاسيما المسلمون، تخلى عموم السياسيين عن مبادئهم الليبرالية حتى لا يفقدوا مناصبهم بسبب الكوارث التي تتعرض لها أحزاب اليمين.

إن أزمة خروج انجلترا من الاتحاد الأوروبي والتي تجتاح بريطانيا في الوقت الراهن ما هو إلا تجسيد لهذا التنازل عن الأخلاق. وفي العام 2013، وخوفًا من الموقف المناهض للهجرة والذي اتخذه حزب استقلال المملكة، وعدت حكومة المحافظين بإجراء استفتاء على عضوية البلاد في الاتحاد الأوروبي إذا ما عادت إلى السلطة في العام 2015. ومع بدأ حملة الاستفتاء، اتهم حزب استقلال المملكة المسلمين “بأنهم يأتون إلى بلادنا للهيمنة عليها”، ويستخدمون بشكل مضلل صور اللاجئين السوريين على الملصقات التي تدعي بأن بريطانيا كانت “نقطة انهيار” الهجرة. ويرغب الزعيم الحالي لحزب استقلال المملكة “جيرارد باتن”، والذي يقول بأن الإسلام “عقيدة تعبد الموت”، إلغاء قوانين جرائم الكراهية.

والأسبوع الماضي، شهدت بريطانيا واحدة من عواقب تلك الدعاية المتشددة، وذلك عندما نشرت وسائل التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا لفتى سوري يبلغ من العمر خمسة عشر “15” عام وهو يتعرض لهجوم عنصري في فناء أحد المدارس في شمال إنجلترا، تلك الدولة التي كانت ملاذ لعائلته بعد فرارها من النزاع الدائر في بلادها. والمهاجم، والذي كان يتلفظ بعبارات عنصرية، هو فتى بريطاني يبلغ من العمر ستة عشر “16” عام، غير أن اللوم في النهاية لم يكن عليه – لأنه ورغم كل هذا، فلا يوجد طفل يولد على الكره، فوالداه هما من يشكلان أفكاره وبدوره يقع فريسة للدعاية السامة للساسة من أحزاب اليمين.

إن الآباء هم من يتحملون مسؤولية تلك الهجمات، ويتعين عليهم أيضًا تفسير تلك الوحشية المخزية التي جعلت أوروبا تغض الطرف عن أطفال يلقون حتفهم غرقًا.

Photo by Boris Roessler / dpa / AFP/ Mural by Justus Becker and Oguz Sen