أوروبا والشرق الأوسط يخلقان بيئة معادية للاجئين السوريين

فيصل اليافعي

AFP Photo: Ibrahim Chalhoub

في نهاية الأسبوع الماضي، ظهرت تقارير تفيد بأن مكتب اللاجئين في ألمانيا قد أوقف القرارات المتعلقة بطلبات اللجوء المقدمة من اللاجئين السوريين. وأثارت تلك التقارير مخاوف جموع المهاجرين وفي أوساط الشتات السوري بشأن إقدام ألمانيا على إعادة تقييم الوضع الأمني بسوريا، وهو ما قد يدفعها إلى إعلان أن أجزاء من البلاد “آمنة”، ومن ثم ترفض طلبات اللجوء على هذا الأساس.

إنه قرار سهل، غير أن الخطوة الألمانية هي جزء من سلسلة من التدابير التي اتخذتها دول في أوروبا والشرق الأوسط سعيًا منها لدفع اللاجئين السوريين إلى العودة إلى ديارهم. وكان التأثير الكلي هو تحويل الحوار من التعامل مع أزمة اللاجئين، إلى معرفة كيفية إدارة عملية عودة اللاجئين، وذلك بالنظر إلى اقتراب الحرب من نهاياته. وفي أحد المؤتمرات المنعقدة في بروكسل في شهر مارس / آذار حول مستقبل سوريا، ونظمه الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، أشاد “فيليبو جراندي”، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، باحتمال أن يكون العام 2019 هو أول عام يكون فيه أعداد السورين العائدين إلى بلادهم منذ العام 2011 أكثر من أعداد النازحين حديثًا.”

غير أن سوريا ليست آمنة. وبقدر ما يناسب السياسيين الادعاء بأن سوريا – أو أجزاء منها – آمنة، لا تزال ثمة عقبات كبيرة لضمان سلامة اللاجئين بمجرد عودتهم إلى الأراضي السورية.

والمشكلة الأولى والأكثر وضوحا هي أن العائدين قد يواجهوا مصاعب جمة، وذلك في ظل حالة الخراب التي تعاني منها بلدات وأجزاء من المدن، ومن غير المرجح إعادة بنائها قريبًا، فضلاً عن أن الدول الغربية والمؤسسات الدولية لا ترغب في تقديم أموال أو قروض لإعادة الإعمار إلا بعد حدوث تغيير سياسي. وكان الرئيس اللبناني، ميشال عون، قد اقترح تقديم المساعدات إلى اللاجئين العائدين إلى سوريا بدلاً من تقديمها إلى المقيمين خارج البلاد. غير أن هذا المقترح أيضًا محفوف بالمصاعب اللوجستية، واحتمال استيلاء النظام السوري على تلك المساعدات.

وبينما لايزال النظام وأجهزة المخابرات ونظام العدالة الحالي كما هو، فسيكون اللاجئين في خطر.وتقوم فكرة أن السوريين يمكنهم العودة إلى ديارهم على افتراض أن السبب الرئيسي لنزوحهم هو الحرب نفسها. وإنه لافتراض مريح، وقد أخذت به الحكومات لأسباب خاصة بها. ولما كان دمار الممتلكات وخطر المشاركة في الحرب من الأسباب الهامة التي دفعت السوريين إلى النزوح عن بلدهم، كان هناك سببًا آخر وهو خطر أن يصبح المرء محاصرًا بالعنف الذي يرتكبه النظام السوري.وكان السبب لمغادرة الكثير من السوريين هو مقتل أفراد عائلاتهم عمدًا، واستهدافهم من جانب النظام أو الميليشيات المسلحة، حيث اختفى عشرات الآلاف من السوريين في غياهب سجون النظام. وسوف تلاحق أجهزة المخابرات أقارب كل واحد من هؤلاء، وهناك الكثير من المجهولين مازالت أجهزة المخابرات تبحث عنهم. وفي العام الماضي، أصدر موقع سوري معارض للنظام السوري قاعدة بيانات مسربة تضم 1.5 مليون شخص مطلوبين من قبل النظام السوري. ومن غير المرجح أن تكون هذه القائمة الوحيدة من هذا النوع. وبالتالي، يتعرض الملايين من السوريين لخطر الاستجواب والاحتجاز التعسفي وما هو أسوأ من ذلك. ومن ثم فإن مجرد خلو سوريا من الحرب، فلا يعني هذا أنها بلد آمنة.فلا يزال الضغط يتصاعد. ففي ألمانيا، أكد مكتب الهجرة واللاجئين أن القرارات المتعلقة بالسوريين كانت معلقة. وتجري وزارة الداخلية، وهي الجهة المشرفة على مكتب اللاجئين، مناقشات مع وزارة الخارجية باعتبارها الجهة المسؤولة عن تحديد الأجزاء الآمنة في سوريا. وبالنظر إلى الطريقة المعقدة التي تسير بها طلبات اللجوء في ألمانيا، حيث يمكن منح الوافدين “حماية إضافية”، وهي فئة مختلفة عن اللجوء، فهناك عشرات الآلاف من السوريين داخل البلاد ممن يعيشون في مأزق حقيقي.وهم ليسوا الوحيدين الذين يعيشون هذا المأزق. ففي تركيا، والتي تستضيف أكبر عدد من اللاجئين من أي بلد، فقد بدأ المزاج تجاه اللاجئين السوريين في التحول. وقد وعدت “ميرال أكشينار”، القومية المتطرفة والتي ترشحت للرئاسة العام الماضي، علنا بإرسال ملايين اللاجئين إلى ديارهم. وهناك سياسيون آخرون قد بدئوا في الحديث عن اللاجئين بلغة شديدة القتامة، حيث قال أحد المحافظين إن اللاجئين اختطفوا “سبل حياة أطفال” تركيا. هذا على الرغم من الاستثمارات والمشروعات التجارية التي شيدها السوريين في المناطق ذات التوظيف المنخفض.وفي لبنان، بالإضافة إلى المخاوف التي عبر عنها “ميشال عون” علناً بشأن أن السوريين يتنافسون مع اللبنانيين للحصول على وظائف، فإن السلطات تضغط على اللاجئين عن طريق إلغاء الأنشطة غير القانونية وإغلاق متاجرهم. وعرض “ميشال عون” رسالة على الجامعة العربية في تونس، وبعدها مباشرة على موسكو في شهر أبريل، ومفاد تلك الرسالة أنه يجب على اللاجئين أن يبدءوا في العودة إلى ديارهم. وفي الشهر نفسه، قال عضو برلماني روسي إنه يتعين على إيران وتركيا وروسيا تنظيم مؤتمر لتسهيل عودة اللاجئين.كما تساهم التطورات الأخرى أيضًا في زيادة الضغط على السوريين من أجل العودة إلى ديارهم.وفي أبريل الماضي، أقرت الحكومة السورية القانون رقم “10”، وهو توجيه يمنح الحكومة القدرة على إعادة تطوير المناطق المتضررة دون موافقة كل من يعيش هناك. ومنح القانون مالكي العقارات في منطقة معينة ثلاثين “30” يومًا للتقدم للحصول على تعويض، ومن ثم، يمكن للحكومة الاستيلاء على ممتلكاتهم. ولا غرابة في أن القانون تعرض لانتقادات باعتباره أداة لطرد الذين فروا من الحرب، لأن معظم اللاجئين لن يكونوا قادرين على توفير الوثائق المناسبة في ذلك الوقت.وفي شهر نوفمبر، أصدر النظام قانون المتابعة رقم “42” والذي مدد الفترة الممنوحة لمالكي العقارات لتسجيل المطالبة بوثائق الملكية إلى عام. وفي الواقع، يزيد هذا التمديد من الضغط على السوريين للعودة إلى ديارهم: ولما كانت مدة الثلاثين “30” يومًا غير مناسبة للكثيرين، فإن عامًا تصبح مدة أكثر تقبلاً وقد تغري الكثيرين بالعودة إلى ديارهم، أو تمنح الحكومات غطاء لرفض منح اللاجئين تصريحًا بالبقاء.ولا شك في أن معظم السوريين يفضلون العودة إلى ديارهم، ولكن على الدول المضيفة أن تراعي في المقام الأول ما سيواجه هؤلاء اللاجئون عند عودتهم إلى ديارهم. وفي بلد ما زال في حالة حرب، ومع وجود أجهزة الأمن والجيش في موقع المسؤولية أكثر من أي وقت مضى، وتوافر الإطار القانوني الذي قد يسمح بمصادرة ممتلكات اللاجئين بسهولة، يظل إرسال السوريين إلى وطنهم رغما عنهم هو مجرد تغيير بيئة معادية بأخرى.