في ظل القوانين الأوروبية أصبح من الصعب العثور على شركات منافسة “يوينيكورن” وحيدة القرن في العالم العربي.

فيصل اليافعي

في نهاية مايو/أيار، حقق دعاة حماية الخصوصية عبر الإنترنت انتصارًا هامًا ضد كبرى شركات التكنولوجيا مثل “جوجل” و”فيس بوك”. وبعد أربع سنوات من الإعداد، دخل حيز التنفيذ القانون العام لحماية البيانات الصادر عن الاتحاد الأوربي، ويجبر هذا القانون أي شركة تتعامل مع الاتحاد الأوروبي أو عملائها من مواطني الاتحاد الأوروبي على اتخاذ خطوات من شأنها أن تمكن الأفراد من التحكم في بياناتهم الشخصية.

يتخطى تأثير القانون العام لحماية البيانات دول الاتحاد الأوروبي، وبالنظر إلى حجم السوق الأوروبية، وجدت كبرى شركات التكنولوجيا الكبرى ببساطة أنه من الأسهل لها أن تغير قواعدها على مستوى العالم دون أن تتبنى نظامًا مزدوج المعايير، وتبعها شركات أخرى، مما أحدث تحولاً جذريًا في صناعة التكنولوجيا.

وتلك هي أيضًا مشكلة الشرق الأوسط، حيث يؤثر القانون العام لحماية البيانات على كل شركات التكنولوجيا في المنطقة، سواء في عمان أو أبوظبي أو الإسكندرية، وقد لا يكون هذا التأثير إيجابيًا. وفي حقيقة الأمر، وفي مزمار المنافسة مع الشركات العالمية العملاقة مثل “جوجل” و”فيس بوك” – أو بمعنى آخر – في مزمار استخدام لغة وادي السيلكون، والعثور على شركة “أحادية القرن”- “يونيكورن”وهي شركة تكنولوجية فريدة من نوعها تقدر قيمتها بأكثر من “1” مليار دولار أمريكي – صعبت القوانين الأوروبية الجديدة المنافسة على شركات التكنولوجيا العربية.

وهنا يكمن السبب، فالقوانين الجديدة قد منحت بالفعل شركات التكنولوجيا القائمة ميزة تنافسية هائلة، لأسباب أولها، أن شروط القانون العام لحماية البيانات واسعة النطاق وتسري أيضًا على الشركات الصغيرة التي ينطوي عملها على معالجة البيانات. إن الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا شركات صغيرة، وتكون أحيانًا شركات أفراد، وقد تكون تلبية شروط القانون العام لحماية البيانات أمرًا مرهقًا من حيث الوقت والأموال اللازمة لذلك، في حين أن الشركات الكبرى لديها ففِرَق العمل القادرة على تنفيذ تلك الشروط.

تجد الشركات الصغيرة أيضًا صعوبة عامة في جذب انتباه المستخدمين. وخلال الفترة التي سبقت القانون العام لحماية البيانات الجاري تطبيقه، كان ثم مزحة متداولة وهي أن صناديق البريد الإلكتروني ممتلئة بالرسائل التي تطلب تصريحًا للإبقاء على الأشخاص المدرجين في قوائم البريد الإلكتروني لديهم. ولكن بينما شركة مثل “جوجل” قد تمتلك خيارات متعددة للتحدث إلى مستخدميها – لأنهم قد يستخدمون، على سبيل المثال، تطبيقات مثل “Gmail” أو “YouTube” أو “Google Drive”، وجميعها تطبيقات مملوكة لشركة “جوجل” – لا تمتلك الشركات الصغيرة إلا فرصة واحدة. وقد يتجاهل الأفراد ببساطة رسائل البريد الإلكتروني الواردة من الشركات الصغيرة والتي تطلب منهم قبول استلام الرسائل، بينما لا يرغب هؤلاء الأفراد في مغادرة تطبيق “فيس بوك” أو “انستجرام”، ومن ثم هناك ميزة ضمنية للشركات القائمة.

والسبب الثاني فيما يتعلق بقضايا الخصوصية وبيع البيانات على أشرطة العناوين الرئيسية على مدار الأشهر القليلة الماضية، هو أن العملاء أقل استعداداً للثقة في الشركات الصغيرة.

وهذا ما ينطبق بصفة خاصة على القانون العام لحماية البيانات والذي يطلب من الشركات توضيح طريقة استخدامهم لبيانات الأفراد بلغة سلسلة ومبسطة. وبالمقارنة مع حقيقة ما يشاركونه من بيانات، نجد أن بعض المستخدمين سيختارون عدم مشاركة البيانات مع الشركات الصغيرة، لكنهم سيفضلون مشاركة تلك البيانات مع شركات التكنولوجيا العملاقة. يضاعف من تلك الميزة النفسية “الغربة” الواضحة للشركات العربية الناشئة والتي تسمي أنفسها بأسماء وعبارات عربية ربما غير مألوفة في الغرب.

وكما هو متوقع، تم بالفعل تحصين الشركات الكبرى، ففي نهاية شهر مايو/أيار، أوردت صحيفة “وول ستريت” خبرًا مفاده أن شركة “جوجل” نالت موافقة القانون العام لحماية البيانات نظير رسوم أعلى بكثير من الخدمات الإعلانية الأخرى عبر الإنترنت، وهو ما يعني تحقيق شركة “جوجل” المزيد من المكاسب المالية عن طريق الدعاية.

تحتاج شركات التكنولوجيا في الشرق الأوسط إلى النمو بسرعة حتى تتمكن من منافسة الشركات الكبرى. وهنا تكمن المشكلة، لأنه وبالرغم من النجاحات الملحوظة إلى حد ما، فإن المنطقة تفتقر إلى البنية التحتية وتوفير رأس المال وآلية جذب أفضل المواهب العالمية والتي بفضلها تنمو شركات التكنولوجيا.

وحتى الآن لم تؤسس دول الخليج ولاسيما دولة الإمارات العربية المتحدة سوى شركتين أحادية القرن، وهما “سوق دوت كوم” ذلك الموقع التجاري الإلكتروني الذي استحوذت عليه شركة “أمازون” العام الماضي نظير مبلغ لم يتم الإفصاح عنه، وقيل أن المبلغ يناهز المليار دولار أمريكي، وشركة “كريم” للنقل المنافسة لشركة “أوبر” على مستوى الشرق الأوسط. (وهناك شركة “يميك سيبتي” التركية لطلب الطعام وشركة “طلبات” وهي شركة مماثلة من الكويت، تم الاستحواذ عليهما نظير مئات الملايين من الدولارات الأمريكية، لكنهما ليستا من الشركات أحادية القرن.)

تقود دولة الإمارات العربية المتحدة سوق الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيافي الشرق الأوسطبنسبة حوالى “42%” من جميع شركات التكنولوجيا الإقليمية. وفي الواقع، أشارت إحدى التقديرات إلى أن نصف صناديق رأس المال المجازف في شركات التكنولوجيا في الشرق الأوسط تذهب إلى الشركات التي تتخذ من دولة الإمارات مقرًا لها.

وعلى الرغم من امتلاك الخليج لقدر كبير من رأس المال، إلا أن القليل منه يذهب إلى تمويل إنماء شركات التكنولوجيا في المراحل الأولى.

من المعتاد في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، على سبيل المثال، أن يكون أصحاب رؤوس الأموال المجازفة الخاصة أول من يستثمرون في الشركات الناشئة لأنهم على معرفة كافية بالشركات التي تتعامل مع المخاطر المالية، ومن ثم يتبعها المؤسسات الاستثمارية كصناديق الثروة السيادية، غير أن شبكات المستثمرين من ذوي رؤوس الأموال المجازفة الخاصة تبقى محدودة في دول الخليج مما يولد تداعيات عكسية.

وهناك مشكلة أخرى تتعلق بالبنية التحتية والتأشيرات، حيث ترهن جميع دول الخليج تأشيرات إقامة الأجانب بالوظائف، مما يصعب على من يؤسس شركة أحادية القرن مجرد الإقامة في الدولة. وحتى الآن لم تتجاوب حكومات دول الخليج مع الحاجة إلى آليات إبداعية لدخول البلاد مثلما فعلت سنغافورة.

ولهذا فإن ما يبدو انتصارًا للخصوصية في أحد الأسواق (أوروبا) على حساب شركات التكنولوجيا في أسواق أخرى (الولايات المتحدة الأمريكية) كان له تأثيرًا حقيقًا في مساندة الشركات القائمة فعليًا في الغرب وذلك على حساب الأسواق الصاعدة كأسواق الخليج. ولهذا تحتاج الحكومات العربية إلى التجاوب بسرعة مع الأمر لضمان أن القواعد التي أعدتها العواصم الأوروبية لن تعوق تطوير الشركات أحادية القرن أو اكتشافها في العالم العربي.

Josh Edelson / AFP