الخطة الأوروبية لمحاكمة دولية لمقاتلي داعش تنصب على الجغرافيا وليس العدالة.

فيصل اليافعي

AFP Photo: John Thys

قد تذهب الخلافة ادراج الرياح، لكن مشكلة جنود المشاة في الخلافة مستمرة. فهم مازالوا قابعون في السجون العراقية والسورية، وينحدر هؤلاء المحاربين العتاة من عدة دول حول العالم ولا ترغب تلك الدول في عودتهم اليها مرة أخرى. فما الذي يجب عمله حيالهم؟

والحكومة السويدية لديها اقتراح جديد. فقبل انعقاد قمة في ستوكهولم الشهر المقبل، يقوم وزير الداخلية السويدي، ميكائيل دامبرغ، بجولة في العواصم الأوروبية للترويج لخطة تشكيل محكمة دولية تعقد في العراق لمحاكمة مقاتلي داعش على جرائم الحرب.

وفي ظاهر الأمر، يمكن أن توفر محكمة دولية مقرها العراق طريقة لتقييم ادلة لا حصر لها تدين داعش بطريقة منهجية. وحتى الآن، جرت محاكمات لأولئك الذين ارتكبوا جرائم في أراضي داعش في العراق، حيث يتم احتجاز العديد من المقاتلين، كما انه يتم احتجاز من عادو الى بلدانهم الاصلية. بيد انه في كلتا الحالتين تواجه هذه المحاكم الدولية محدودية الأدلة التي يمكنها التوصل اليها وصعوبة استدعاء الشهود الموجودين ببلاد أخرى.

ولكن يمكن لمحكمة جنائية على غرار المحكمة التي حاكمت الإبادة الجماعية في يوغوسلافيا السابقة التدقيق في الأدلة بطريقة منهجية واستدعاء الشهود والربط بين الاحداث التي جرت على امتداد عدة سنوات.

والحقيقة ان هدف أوروبا الرئيسي من انعقاد المحكمة الجنائية بالشرق الأوسط ليس لتحقيق العدالة بقدر ما تهدف الى ابعاد مواطنيها من مقاتلي داعش عن بلدانهم قدر الإمكان. بعبارة أخرى يرتدي هذا التوجه في ظاهر الامر ثوب الفضيلة والنزاهة بيد ان المحكمة الدولية في باطن الامر تدور حول الجغرافيا أكثر مما تصبو الى تحقيق العدالة.

وليس سراً أن الدول الاوروبية-مثلها مثل معظم الدول الأخرى -لا تريد عودة مواطنيها المتعاطفين مع داعش.

ورغم عدم توافر إحصاءات دقيقة الا انه يمكن القول انه من بين عشرات الالاف من المقاتلين الذين ينحدرون من بلدان مختلفة والذين انضموا الى داعش يقدر عدد مواطني الاتحاد الاوروبي المقاتلين في صفوف داعش بنحو 4000 على الأقل. وقد ذكر تقرير برلمان الاتحاد الأوروبي العام المنصرم ان 30% من هؤلاء قد عادوا الى اوطانهم. وتنظر عواصم الاتحاد الأوروبي لهؤلاء المقاتلين السابقين نظرة شك كونهم قد يسعون لتجنيد اخرين او شن هجمات مسلحة.

بيد ان الاحتفاظ بهم في السجون السورية والعراقية ليس بحل ففرض تكاليف حبسهؤلاء الأجانب الذين خاضوا الحرب في الغالب ضد سوريا والمواطنين العراقيين على تلك البلدان امر غير عادل بالمرة. ويبدو أن الخطة السويدية مصممة لإبعاد أكبر عدد ممكن منهم عن أبواب أوروبا، مع التنصل من المسؤولية عن مواطنيهم المجرمين.

وتكمن ميزة المحكمة في معالجة قضية انضمام مواطني البلدان المختلفة للقتال في الشرق الأوسط بشكل منفصل كمشكلة جماعية.

 وعلينا ان نعود ونفكر تثير خلافة داعش سلسلة محيرة من القضايا القانونية والسياسية المعقدة، ويكمن أولها ف  القرار الذي يتخذه عشرات الالاف من المقاتلين لمغادرة اوطانهم والسفر الى العراق وسوريا لشن الحرب وهذا تساؤل صعب وحافل بالمضامين السياسية. ولطالما بدا واضحا ان الالاف يسافرون الى سوريا عبر تركيا فلماذا لم توقفهم أجهزة الاستخبارات او لماذا لم تحذر الدول الأخرى؟

ويتصدى الاتحاد الأوروبي حاليا لهذه القضية الشائكة بشكل خاص ويناقشما إذا كان التوجيه الصادر عام 2017 الذي يجرم السفر إلى الخارج للانضمام إلى منظمة إرهابية يضع تعريفا واضحاٍ للجماعات المحظورة وإمكانية تطبيق هذا التوجيه على هؤلاء الذين يعبرون دول الاتحاد الأوروبي في طريقهم الى أماكن خارجه (على سبيل المثال تركيا او سوريا). ويشير هذا الجدال في الوقت الحالي الى حجم القضية.ويمكن للمحكمة بحث هذه المسائل عبر الحدود الوطنية.

ثم تأتي مسائل قانونية تتجاوز الحدود الوطنية. هل بمقدور أي محكمة فحص بعض القضايا المعقدة التي نشأت عن التقاء الحرب الأهلية السورية، وصعود داعش وأزمة اللاجئين. ولنأخذ مثالا لذلك: لأي اختصاص ولائي ومكاني يجوز محاكمة سوري قاتل في العراق ثم طلب اللجوء الى السويد؟

وقد يكون امر حسنا اذا ما قامت أي محكمة بإصدار نصوصا قانونية جديدة أو تحديد التزامات سياسية جديدة، على غرار ما حدث مع مبدأ مسؤولية الحماية؛ وبذلك تكون قصة داعش الطويلة قد تمخضت عن شيء إيجابي بالنسبة للقانون الدولي.

ومن المؤكد أن هناك حاجة لإجراء تحقيق مشتركيتجاوز الحدود الوطنية لجرائم داعش على الا تتحمل العراق وسوريا اعباء غير متناسبة. وطالما يتم تقاسم التكاليف -وتساهم الدول الأخرى التي أرسلت أعدادًا كبيرة من المقاتلين -كما انها توافق  على إعادة مواطنيها إلى اوطانهم بمجرد الانتهاء من المحاكمات، فمن ثم فيمكن أن تكون المحكمة استجابة مبتكرة لصراع معقد.

لكن يجب ألا يكون ذلك وسيلة للحكومات الأوروبية لتجنب مسؤولياتها.ولا ينبغي أن يكون البحث عن المسئولية عبر الحدود ذريعة للأوروبيين لإبعاد مواطنيهم المجرمين عن مواطنيها الآخرين.