تبقى السياسة الراهنة أهم من عدالة الماضي حتى في عين نجل رفيق الحريري

فيصل اليافعي

عندما صدرت أقدم صحيفة لبنانية بصفحاتها البيضاء الفارغة الأسبوع الماضي، أشعلت لعبة التخمين حول نوايا الناشر. وقد نشرت صحيفة النهار، والتي تم زسيسها في الثلاثينيات من القرن الماضي بصفحات تخلو من الكلمات ولم تعتمر من هويتها سوى الإسم، ومن دون تقديم أي تفسير. وسرعان ما بدأت التكهنات على وسائل التواصل الاجتماعي. هل تخلت النهارعن المنتج المطبوع؟   أو اختفت الكلمات احتجاجاً خلى ما آلت إليه حال العالم؟ أو كان ذلك تعليقًا على حالة الإعلام أم على حالة العالم؟

وجمع الجواب قليلا من الاثنين. في وقت لاحق من ذلك اليوم، ظهرت رئيسة تحرير الصحيفة نايلة التويني في مؤتمر صحفي للتعبير عن غضبها من الأزمة السياسية اللبنانية والتي طال أمدها. وقالت: “لقد تعب الناس، وقد سئمت النهار من كتابة ذرائعكم والوعود الفارغة المتكررة“. وبذلك سجلت النهار موقفاً حول التواطؤ الإعلامي مع الخلل السياسي في لبنان.

ومن المؤكد أن اللوم جماعي. في شهر مايو أجرى لبنان انتخابات برلمانية لأول مرة منذ عام ٢٠٠٩ غير أن عملية تشكيل حكومة جديدة تتقاسم السلطة تعدّت الخمسة أشهر مع عدم تمكن رئيس الوزراء المعين سعد الحريري من التوصل إلى توافق بين جميع الأطراف حول توزيع الوزارات، حيث أن النظام الطائفي المعقد المعتمد في لبنان  يفرض التوزيع الدقيق للوزارات حسب أهم الطوائف.

ولا يبدو أن التهديدات المتكررة قد زادت من بصيرة المشاركين إذ لم تأت التحذيرات من وسائل الإعلام والقادة السياسيين فحسب، بل جاءت من الاتحادات التجارية والنقابات. كما حذر الحريري من أن الاقتصاد اللبناني المتهشم جراء تداعيات الحرب الأهلية السورية المجاورة، قد يكون في خطر. ووافق المانحون الدوليون على تقديم قروض بقيمة ١١ مليار دولار قبل الانتخابات، إنما الحاجة إلى حكومة جديدة للتوقيع على التعهد أصبحت ملحة. ”وإن كنا نعتقد أن العالم سوف ينتظرنا، فنحن مخطئون، كما حذر في مقابلة تلفزيونية في بداية أكتوبر.

تفاصيل التأخير معقدة. لطالما كانت الساحة السياسية في لبنان ساحة للمنافسات الإقليمية. يسعى حزب الله إلى إدخال حلفائه السنة إلى الحكومة، وعلى الأرجح يرسي الأساس للقبول النهائي لنظام الأسد كحكومة شرعية لسورية.

وعلى الصعيد الداخلي، يبدو أن الرئيس المتقدم في السن ميشيل عون، يسعى للحصول على منصب لصهره يسمح للأخير بالترشح للرئاسة في نهاية المطاف.

تلك المخاوف هي التي تسببت بالتأخير في التوصل إلى اتفاق. لكن التهديد الأعظم الوحيد لتشكيل حكومة جديدة لا علاقة له باسياسة الراهنة، بل بالعدالة لما مضى.

بعد عدة سنوات من التأخير، من المقرر أن تقوم المحكمة الخاصة للبنان المدعومة من الأمم المتحدة والتي تحقق في حادث تفجير ٢٠٠٥ الذي أودى بحياة رفيق الحريري والد سعد الحريري  بإصدار تقارير. واختتمت المحكمة جلستها الختامية في نهاية شهر سبتمبر، ومن المتوقع أن يصدر القضاة حكماً عمّا قريب، وربما في غضون أسابيع. ومن المتوقع غالباً أن تؤكد المحكمة أن أربعة من شخصيات حزب الله قد ارتكبوا الاغتيال.

كان سعد الحريري في هولندا حيث مركز المحكمة  في شهر سبتمبر وحضر جلسة الحجج الختامية وتحدث عن الحاجة إلى العدالة. في الوقت نفسه ، وفي الوقت الذي يحاول فيه تشكيل حكومة يكون حزب الله جزءاً منها، سيكون من غير المفيد إطلاقاً إذا صدر الحكم قبل تشكيل الحكومة.

رفض حزب الله تسليم الرجال الأربعة، وأشار إلى أنه يعتبر المحكمة غير موضوعية. ومع ذلك ، فإن الحكم النهائي للمحكمة سيكون حدثًا مهمًا سيحظى باهتمام عام واسع النطاق، في لبنان وخارجه.ويمكن أن يؤدي الحكم بالذنب إلى قيام الدول الأوروبية بقطع العلاقات مع الجناح السياسي لحزب الله. قد يرفض حزب الله المشاركة في المحادثات الحكومية، مما سيؤدي إلى تفاقم الأزمة.

ومع ذلك ومهما كانت تداعيات إصدار الحكم بالذنب قبل تشكيل حكومة جديدة، ستكون الصعوبات أعظم إذا صدر الحكم بعد تشكيل الحكومة.

قد يؤدي ذلك إلى إبقاء حزب الله خارج الحكومة الجديدة أو يتسبب في انهيارها، أو يضع الحريري في موقف حساس أي رئاسة حكومة تشمل قتلة والده وقديؤدي ذلك إلى احتجاجات جماهيرية في شوارع لبنان أو ما أسوأ من ذلك.

أما النتيجة الفضلى  وكما هو الحال في السياسة اللبنانية في كثير من الأحيان، وهو تأجيل الشق السياسي. وقد أشارت تقارير إعلامية إلى أن الحريري سعى إلى تأجيل الحكم، لكن المحكمة الخاصة بلبنان مستقلة عن الحكومة اللبنانية.

بذلك، تواجه الحريري مشكلة سياسية مستعصية، فيتوه بين رغبة الابن في تحقيق العدالة لما مضى ورغبة السياسي في أن يسود في السياسة الراهنة.

ويبقى لبنان بحاجة إلى كليهما فمن البديهي أن تكون حكومة فاعلة ضرورية غير أن معرفة من قتل رئيس الوزراء السابق ضرورةً لا محال حيث حزب الله ليس وحده متورطاً بل نظام الأسد كذلك. من المهم بالنسبة لديمقراطية لبنان وسيادته أن يكشف عن أسماء أولئك الذين أمروا بتنفيذ القتل وقاموا به، كرسالة واضحة بأنه ولو مضت ١٣ سنة على الجريمة فإن العدالة سائدة في نهاية المطاف. في مثل هذا المجتمع الصغير الغاني بتعددية طوائفه يعتبر النظام القانوني أفضل دفاع ضد جرائم المستقبل.

إذااستمعنا إلى النغمات الآتية من مجمع الحريري الفخم في وسط بيروت، فإن الحريري السياسي يتفوق على الحريري الابن بشكل مؤقت. أما بالنسبة للبنان، كما بالنسبة لورثة السيد لبنان، يجب أن تبقى هذه الفترة مؤقتة فحسب.

Photo by Bas CZERWINSKI/ANP/AFP