العراقيون الموالون لإيران يرفضون الخسارة، حتى وإن لم يفوزوا

حسين عبد الحسين

Image courtesy of Ahmad Al-Rubaye / AFP

استغل الموالون لإيران تفسيرًا منحرفًا للدستور العراقي قدّمته المحكمة العليا ليمنعوا هذا الأسبوع البرلمان العراقي مرة أخرى من انتخاب رئيسًا للدولة، منتهكين بذلك الإلزام الدستوري بإجراء انتخابات رئاسية في غضون 30 يومًا من انتخاب رئيس للبرلمان، وهو ما حدث في يناير.

وبتوقف البرلمان عن العمل، تجبر إيران وأقليتها الصغيرة الأغلبية البرلمانية العراقية على الاختيار بين تشكيل “حكومة وحدة وطنية” تضم موالين لإيران وإبقاء البرلمان متوقفًا عن العمل إلى أجل غير مسمى. وبغض النظر عما سيؤول إليه هذا الأمر، فلم تؤد هذه المواجهة إلا إلى تعميق الأزمة السياسية التي ابتلي بها على مدار أشهر هذا البلد الذي مزقته الحرب.

في فبراير، تعاملت المحكمة العليا العراقية مع الهزيمة الساحقة التي مُنيت بها الأغلبية المناهضة لإيران بتقديم تفسير غير مقنع لكيفية انتخاب البرلمان رئيسًا للدولة. وفي الواقع، أنقذت المحكمة بذلك إيران من الإذلال الذي تعرضت له في الانتخابات البرلمانية في أكتوبر عندما فاز الموالون لها بـ 62 مقعدًا فقط من مقاعد البرلمان البالغ عددها 329 مقعدًا.

ورغم أن معظم قضاة المحكمة من الشيعة، فلا يوجد دليل واضح على أنهم من الموالين لإيران؛ وذلك لأن المحكمة لا تفصح عن مداولاتها أو تفاصيل وصولها إلى قراراتها، وتصدر أحكامها فقط بتوقيع القضاة التسعة جميعهم. وفي هذه الحالة، يبدو أن المحكمة كانت تفكر في أن ضم المزيد من التكتلات السياسية في الحكومة من شأنه خلق مجلس وزراء أقوى.

ينص الدستور العراقي على أن النصاب القانوني يكتمل بأغلبية برلمانية بسيطة يبلغ عددها 165 نائبًا. وفيما يخص انتخاب رئيس الدولة، ينص الدستور على أن الفائز بالانتخابات يجب أن يحظى بدعم ثلثي “الأعضاء”، دون تحديد ما إذا كان ذلك يعني كل أصحاب المقاعد البرلمانية البالغ عددهم 329 أم الحاضرين فقط للتصويت.

وقد كان وقف البرلمان عن العمل الأمل الوحيد لإيران في منع الأغلبية من انتخاب رئيس للدولة ورئيس للوزراء وتشكيل حكومة. فرفعت المحكمة العليا في العراق النصاب القانوني من النصف إلى الثلثين مع تفسير ذلك بأن الثلثين يعني جميع الأعضاء البالغ عددهم 329. لكن من خلال فعل ذلك، عطّلت المحكمة المبدأ الدستوري الأساسي لتشكيل حكومة أغلبية بسيطة وفرضت بدلًا منه أغلبية عظمى.

في الانتخابات السابقة، لم يصل أي تكتل أو تحالف إلى الأغلبية البسيطة البالغ عددها 165، وعادة ما فاز الموالون لإيران بأكبر عدد من المقاعد. ومن ثم، تمحور الخلاف عادةً حول تحديد ما إذا كان التكتل الأكبر يعني الحزب الأكبر أم التحالف الأكبر. وبحلول الوقت الذي تم فيه الحصول على الأغلبية، تحقق النصاب القانوني واتضح كل شيء.

لكن انتخابات 2021 في العراق منحت رجل الدين الشيعي المناهض لإيران مقتدى الصدر التكتل الأكبر الذي يضم 73 نائبًا، بينما فاز السنيون بتكتلين تم دمجهما لتشكيل تحالف من 51 مقعدًا، وحصل الحزب الديمقراطي الكردستاني على 31 مقعدًا. شكَّلت بعد ذلك هذه الكتل الثلاثة ائتلافًا من 155 مقعدًا وأطلقوا عليه اسم “إنقاذ الوطن”. ومن بين 43 منتخبًا مستقلًا، انتزع ائتلاف إنقاذ الوطن عددًا كافيًا من النواب ليصبح ائتلاف أغلبية بسيطة مكونًا من 165 مقعدًا. انضم كذلك حزبا “اعتماد” و”الجيل الجديد” إليه، ما رفع عدد مقاعد ائتلاف إنقاذ الوطن إلى 202 مقعد. ولكن على الرغم من أن الأغلبية بعدد مقاعد 202 أغلبية كبيرة، فإنها لا ترقى إلى مستوى الأغلبية العظمى المطلوبة الآن لانتخاب رئيس للدولة وتشكيل حكومة.

قبل حكم المحكمة العليا، أعادت أغلبية ائتلاف إنقاذ الوطن انتخاب السني محمد الحلبوسي رئيسًا للبرلمان لولاية ثانية في 9 يناير. ينص الدستور العراقي على أن انتخاب رئيس الدولة يجب أن يحدث في غضون 30 يومًا، ولكن الموالين لإيران رفعوا المسألة إلى المحكمة العليا، وطعنوا في انتخاب الحلبوسي. وفي محاولة لتعقيد الأمور، أكدت المحكمة فوز الحلبوسي لكنها حددت النصاب القانوني للانتخابات الرئاسية ليكون 220.

ورغم فوز التكتل الموالي لإيران بـ 62 مقعدًا فقط، فقد نجح في أن يضم لصفوفه العديد من المشرِّعين من خلال لي أذرعهم، وفي بعض الأحيان من خلال التهديد بالعنف. لكن يوم الأربعاء، وكما حدث خلال المحاولتين السابقتين، انهار النصاب القانوني، مما ترك أمام اليمين خيارين سيئين: إما السماح للموالين لإيران بالانضمام إلى حكومة جديدة أو الاستمرار في البقاء في ظل حكومة مؤقتة. ولم يلطِّف الصدر كلماته عندما غرد بالخيار الذي يفضله بين هذين الخيارين؛ إذ قال “لن أصل إلى اتفاق معكم؛ فالطريق المسدود أفضل من تقسيم غنائم الدولة”.

لا تهتم إيران والموالون لها كثيرًا بالحكومة؛ فالعراق ولبنان واليمن دول فاشلة، وطهران لم تبد أبدًا استعدادًا لفعل أي شيء للوصول إلى تسويات. لكن ما تفعله إيران هو التأكد من عدم تشكيل أي حكومة لا تضم موالين لها، الأمر الذي يمنحها سلطة القضاء على أي مراسيم أو أوامر تنفيذية قد تؤدي إلى نزع السلاح من ميليشياتها.

في حين أن إيران عادةً ما تخفي سعيها للحصول على حق النقض وراء إصرارها على “حصة الشيعة”، فقد انفضح هذا المسعى في العراق حيث يعارض أكبر تكتل شيعي منتخب نظام إيران الإسلامي. في الواقع، جميع أعضاء تحالف الأغلبية في العراق — الشيعة والسنة والأكراد — يمثلون ناخبيهم ويعارضون إيران.

لذلك غيرت إيران حديثها من المطالبة بـ “حصة الشيعة” إلى الإصرار على “الوحدة الوطنية”، ما يعني منح الأقلية الإيرانية حق النقض أو إيقاف الحكومة عن العمل. فقبل أن تمنح المحكمة العليا إيران القدرة على إيقاف عمل الحكومة، هدد الموالون لطهران في كثير من الأحيان بحرب أهلية إذا تم تشكيل حكومة بدونهم.

ومن ثم، فإن العراق يجد نفسه في طريق سياسي مسدود؛ فإذا فاز الموالون لطهران بالأغلبية، فسيشكلون حكومة ويتجاهلون الأقلية. وذلك لأن سياسة إيران في العراق تقوم على المبدأ التالي: البحث عن طريقة للفوز بالانتخابات أو استخدام استراتيجيات لضمان عدم خسارة الموالين لإيران أبدًا.

 

حسين عبد الحسين هو زميل باحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن العاصمة.