لكل شيء ثمن، حتى ولو كان طفلاً

ريم تينا غزال

AFP photo: Safin Hamed

كثيرًا ما يقال إن لكل شيء ثمن. فهل المقصود المقتنيات القيمة أم تلك اللوحة النفيسة والتي يتعاقب عليها أفراد العائلة جيل بعد جيل؟، وقد ينتهي بها المطاف معروضة للبيع في مزاد علني. ففي أسوأ الحالات، على سبيل المثال، إذ احتاج المرء أو شخص ما يحبه إلى زراعة عضو من أعضاء الجسم، فسيتم هذا خارج إطار القانون، وعلى من يرغب في هذا أن يدفع الثمن. إن الأوقات العصيبة تدفع المرء إلى اتخاذ تدابير حرجة، وهذا يعني في كثير من الأحيان استغلال الضعفاء من الناس، ولكن ماذا لو كان الشخص الذي يستغلك هو الشخص المفترض له حمايتك؟

“يمكنك شراءه مقابل 100 دولار”، بتلك العبارة حدثني رجل صادفته بالقرب من مركز تجاري راقي في بيروت، وكان يقف بجانبه لاجئ شاب جسده نحيل ومنهك، وعيناه كبيرتان يملؤهما الحزن. وادعى الرجل أن هذا اللاجئ والده، ولكن بدا أن عمر الولد يناهز التسع سنوات. وعندما حاولت التحدث إلى الولد، فر هاربًا بأسرع ما يمكن، وتبعه “والده” للامساك به وهو يكيل له اللعنات.

وأخبرتني الشرطة عندما اتصلت بها، أن هناك مئات الحالات مثل هذه، سواء كانوا آباء يعرضون أبنائهم للبيع، أو أطفال يعرضون أنفسهم مقابل المال. ورغم مضي أكثر من عشر “10” سنوات على هذا الموقف، مازالت تجارة الأطفال مستمرة في الأماكن التي تعج باللاجئين في الشرق الأوسط. وبالنسبة للمنظمات غير الحكومية التي تحاول المساعدة للتغلب على تلك التجارة، فإن أعداد الأيتام والمشردين هي أعدادًا كبيرة جدًا لدرجة أن المنظمات غير الحكومية وجدت صعوبة في مواجهة تلك المشكلة. وشأنهم في ذلك شأن أي شخص آخر، حيث أصبحت تلك المنظمات غير الحكومية متبلدة المشاعر أمام مشاهد الأطفال المعوزين وهم يتوسلون الطعام والمأوى والرعاية.

وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، كان عرض الأطفال “للتبني” عبر وسائل التواصل الاجتماعي في مصر أمرًا رائجًا، وذلك مقابل مبلغ زهيد وهو “2000” جنيه مصري أو 120 دولار أمريكي. وتبقى الأطفال حديثي الولادة أكثر تكلفة، حيث يبلغ ثمن الطفل الواحد حوالى “4,000” دولار أمريكي. وفي هذا الشهر، ضبطت شرطة الإسكندرية عصابة لبيع الأطفال وذلك بعد أن ادعى رجال الشرطة أنهما زوجين يريدان تبني فتاة. وكان الدفع يتم عند التسليم. وفي هذا اليوم الموافق “17” من يوليو، ذهب الضباط إلى المستشفى لاستلام الفتاة، وتم القبض على الأم أثناء تسليمها الرضيعة، كما أُلقي القبض على الرجل الذي كان برفقتها (وثمة اعتقاد أن هذا الرجل شريكًا لهذه المرأة، ووالد الطفلة). كما ألقت الشرطة القبض على الرجل الذي أنشأ صفحة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، ومن خلالها كان يروج لعمليات بيع الأطفال. وكان هذا الرجل قد ساعد من قبل في إبرام العديد من تلك المعاملات، وتزرع بأنه كان يساعد كلاً من الأزواج الذين ليس لديهم أطفال والأطفال المعروضين للبيع، من خلال الجمع بينهما.

ويستشهد خبراء هذه التجارة الوحشية “بالأسباب الاقتصادية” لتوضيح السبب الذي قد يدفع الأم إلى أمر لا يمكن لأحد تصوره. وقد يذكر أحدهم الجشع والافتقار إلى الإنسانية، حتى وإن تعلق الأمر بفلذة كبدها، كأحد الأسباب التي تدفع الأم إلى بيع نسلها ليلقى مصير العبودية أو السخرة، أو حتى بيعه إلى قاتل لقتله من أجل اقتلاع أعضائه.

ووفقًا للمنظمة الدولية المناهضة للعبودية، هناك عشرة “10” ملايين طفل حول العالم يتم المتاجرة بهم في صوره من صور العبودية – مثل العمل بالسخرة أو الدعارة أو المواد الإباحية أو تجنيدهم كجنود أطفال. ويقدر عدد الأطفال العاملون بـ152 مليون طفل، تتراوح أعمارهم بين 5 و 17 عامًا، منهم 73 مليون طفل – أي نصفهم تقريبًا – يعملون في وظائف خطيرة. وفي أفريقيا، هناك “72,1” مليون طفل عامل، وهذا يعني أن واحدًا من بين كل خمسة أطفال يمارس عملاً ما. وفي منطقة آسيا والمحيط الهادئ، يقدر عدد الأطفال العاملين “62,1” مليون طفل، أو طفل واحد من كل “14” طفل، وفي الأميركتين، يقدر العدد بـ”10,7″ مليون طفل، أو طفل واحد من كل “19” طفل، وفي أوروبا، “5,5” مليون طفل، أو طفل واحد من كل “25” طفل، وفي الدول العربية “1,2” مليون طفل، أو طفل من كل “35” طفل. وبالطبع، لا تشمل هذه الأرقام على العديد من الأطفال اللاجئين الذين يتعرضون للاستغلال والانتهاك، ويتم إجبارهم على العمل في ظروف مروعة.

فلماذا يحدث ذلك؟ تكمن المشكلة أساسًا في مفهوم أن الآباء “يمتلكون” أطفالهم. وبالتأكيد لا يحق لاحد أن يتملك شيء به روح، أليس كذلك؟. فجل ما يستطيع المرء فعله هو تقديم الرعاية، بالمعنى الدقيق للكلمة، للكائنات الحية الأخرى – سواء كانوا أطفالًا أو حيوانات أليفة – دون أن نمتلكهم. فالأطفال ليسوا أشياء يتم تداولها؛ إنهم كائنات حية، وموكلون برعايتهم والمحافظة عليهم، ويجب إنزال أقصى العقاب على من ينتهك هذا العهد والثقة.

وهناك حقوق يتمتع بها الأطفال – وهو مفهوم ربما يكون من السهولة بمكان غرسه في مجتمع مستقر، ورغم ذلك، تعمل المنظمات غير الحكومية جاهدة على غرس هذا المفهوم في المجتمعات النامية. وفي فيلم “كفرناحوم”، الحائز على إحدى الجوائز، وهو فيلم لبناني، إنتاج العام 2018، ومن إخراج نادين لبكي، يتناول الفيلم قضيتان متشابكتان وهما إساءة المعاملة والإهمال الذي يواجه الأطفال الذين لا يقدرون آباؤهم على العناية بهم، والنساء اللائي ينجبن العديد من الأطفال ولا يستطعن الاعتناء بهم.

وهناك عبارة يرددها الأسر العربية الأكثر فقرًا عندما تجد طفلاً جائع يلحق بهم، وهي “رزقهم من الله” – بمعنى “تكفل الله برزقهم”. ويا له من سلوك متخاذل ويحمل معنى الأنانية وانعدام المسؤولية. فإذا كان المرء عاجز عن رعاية الطفل بشكل كافٍ – من خلال توفير الطعام والملبس والمأوى والاهتمام – فلا شأن له بإنجاب طفل، ناهيك عن زمرة من الأطفال. والأطفال في حقيقة الأمر نعمة من الله، لكنهم أيضًا مسئولية – يتحملها الوالدين.

وهم أيضا مسؤولية المجتمع الأكبر. فإذا تم القضاء على تجار الأطفال، فلن يتم عرض الأطفال للبيع. وإذا وضعت الشركات في اعتبارها أنها لن تتمكن من استغلال الأطفال كعمالة رخيصة أو حرة، مما يعرضهم للمخاطر، فلن يكون هناك أطفال للبيع. وإذا اعترفت الحكومات بحقوق الأطفال، فستقدم الحكومة على معاقبة كل من يتجاهل تلك الحقوق بأكثر من مجرد فرض غرامات أو عقوبات بالسجن لمدة تبعث على السخرية.

كما ان توزيع وسائل منع الحمل في مخيمات اللاجئين والقرى الفقيرة أمر مثير للجدل، لكن هل من الصواب إنجاب طفلاً ليكون بلا جنسية أو وثائق تثبت نسبه، وغير مرغوب فيه ويلقى سوء معاملة؟. من المؤكد أن هذه طريقة معقولة ومسؤولة للتصدي للشر الأكبر المتمثل في إساءة معاملة الأطفال وتجاهلهم بشكل رهيب، رغم أنهم الحلقة الأقوى بيننا.

ريم تينا غزال، حصلت على جائزة أفضل صحفية، وفي العام 2003، اختيرت “ريم” ضمن أوائل السيدات في التراث العربي واللاتي أسندت إليهن مهمة تغطية مناطق الحروب في الشرق الأوسط.