من المتوقع أن يشن أردوغان هجومه على شمال العراق قبل الانتخابات التركية

عمر تاسبينار

يعتمد الزعيم التركي القوي، رجب طيب أردوغان، على أمرين للفوز بالانتخابات، وهما الاقتصاد القوي والقومية. في ظل تهاوى قيمة العملة التركية وتدهور الاقتصاد، فإن أردوغان في أمس الحاجة إلى حشد أصوات القوميين. ومن المؤكد أن العملية العسكرية عبر الحدود في شمال العراق ضد حزب العمال الكردستاني أو “بي كاي كاي” ستفي بالغرض منها. فالزخم يسير في هذا الاتجاه.

ولكن بداية، كيف وصلنا إلى هذا الموقف؟ عندما دعا أردوغان إلى إجراء انتخابات مبكرة في “24” من يونيو، كانت المؤشرات تشير فعليًا إلى ضعف الاقتصاد من خلال ارتفاع معدلات التضخم، وزيادة عجز الحساب الجاري، وكان أردوغان مصرًا على خفض معدلات الفائدة وهو ما أدى إلى تضخم الاقتصاد، وبعدها بدأ الاستثمار الأجنبي في الانتهاء تدريجيًا، فضلاً عن الانخفاض السريع للتصنيف الائتماني لتركيا. والآن انتقل الوضع من السيئ إلى الأسوأ. ومع إعلان أردوغان عن استمراره في مراقبة السياسة المالية، انهارت قيمة الليرة التركية وفقدت العملة “10%” تقريبًا من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي في “23” مايو فقط. واضطر البنك المركزي في نهاية المطاف إلى رفع سعر الفائدة.

ومع اقتراب يوم الانتخاب، تعول المعارضة التركية أملها على العلاقة الراسخة بين أداء أردوغان الانتخابي وثقة المستهلك. ففي الشهرين الماضيين ومع انخفاض ثقة المستهلك، انخفضت كذلك فرص أردوغان في تأمين انتصارًا سهلاً. وتظهر معظم استطلاعات الرأي في الوقت الحالي أن حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه أردوغان لن يستطيع المحافظة على الأغلبية في البرلمان بالرغم من تحالفه مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف. ووفقًا لمعظم التوقعات، لن يستطيع أردوغان أيضًا ضمان منصب الرئاسة في الجولة الأولى من التصويت والمقرر اجراؤها في نفس يوم الانتخابات البرلمانية.

لكي يضمن أردوغان نجاحه من الجولة الأولى فإنه في حاجة إلى أكثر من “50%” من الأصوات، غير أن معظم استطلاعات الرأي تظهر أنه لن يحصل إلى على “46%” فقط، وهذا يعني أنه من المتوقع إجراء جولة ثانية من الانتخابات في “8” يوليو بين أردوغان ومحرم اينجه مرشح المعارضة الرئيسية المتمثلة في حزب الشعب الجمهوري اليساري الوسطي، والذي يحظى بدعم يناهز “30%” من الأصوات. ويحتاج “اينجه” إلى دعم كبير من الأكراد للإبقاء على حظوظه في جولة الإعادة أمام أردوغان. ومن ثم ليس من قبيل الصدفة أن يزور “اينجه” زعيم الحزب الوطني الكردي “صلاح الدين دميرطاش” المسجون خلال الشهر الماضي، غير أن تودد “اينجه” الشديد إلى الأكراد له حدود، لأنه لن يتحمل الابتعاد عن بنك الأصوات الأكبر في تركيا وأكثر المعارضين للقومية الكردية. أضف إلى ذلك، لكي يتغلب “اينجه” على أردوغان في جولة الإعادة، فإنه يحتاج أيضًا إلى دعم كبير من حزب الجيد القومي اليميني والذي أسسه الأعضاء المنشقون عن حزب الحركة القومية.

إذن، ما الذي سيفعله أردوغان؟ يحتاج أردوغان إلى حشد جاد لأصوات القوميين. وأظهرت التجارب السابقة أن التدخلات العسكرية عبر الحدود في شمال سوريا ضد القوات الكردية أفرزت دعمًا كبيرًا لحزب العدالة والتنمية وأردوغان والجيش التركي. يتميز الأتراك بالوطنية الجارفة، وما حزب العمال الكردستاني إلا جماعة يسهل تشويه صورتها. ولهذا من المحتمل أن يلجأ أردوغان إلى تدخل عسكري آخر كبير، ولكنه هذه المرة في شمال العراق ضد الأكراد المعاديين لتركيا.

وتشير جميع الدلالات إلى أن أردوغان يسير في هذا الاتجاه. حيث أعلن أردوغان مؤخرًا عن نجاح عملية مكافحة الإرهاب في مدينة “عفرين” الواقعة في شمال سوريا، “وحان الوقت الآن لجبل قنديل في شمال العراق”. وخلال مأدبة إفطار أقيمت في إقليم “ديار بكر” التركي ذي الأغلبية الكردية قال أردوغان “سيكون يوم الرابع والعشرين [ يوم الانتخابات ] لكمة في وجه الإرهاب في “قنديل” والتي تُرسل شباب “ديار بكر” إلى الموت عمداً.” ويعتبر جبل قنديل، الواقع على بعد أربعين “40” كيلومتر جنوب شرق الحدود التركية مع إقليم “أربيل” العراقي، هدفًا هامًا لقوات الجيش التركي، لأن الجبل كان المعقل الرئيسي لحزب العمال الكردستاني خلال حقبة التسعينات.

كثيرًا ما كانت منطقة “جبل قنديل” تتعرض للقصف على مدار العقد الماضي من جانب الجيش التركي، مما أصاب العلاقة بين الحكومتين التركية والعراقية بالتوتر بسبب اعتراض الأخيرة على انتهاك سيادتها. وكان الجيش التركي يرسل إشارات قوية بأنه بصدد تنفيذ عملية عسكرية كبيرة. وعلى مدار الأسبوع الماضي من شهر مايو، هناك تقارير صحفية تتحدث عن تعرض جنود أتراك للقتل أو الإصابة خلال اشتباكات في الإقليم العراقي. وتشير أيضًا القصص المنسوبة إلى مصادر أمنية غير محددة إلى أن القوات الخاصة التركية تتسلل إلى الأراضي العراقية لقطع خط الإمدادات عن منظمة “بي كاي كاي” بالقرب من جبال قنديل. وفي الثاني “2” من يونيو/حزيران، زار رئيس أركان الجيش التركي “خلوصي آكار” وبرفقته كبار الضباط، القوات المتمركزة في إقليم “هكاري” الواقع جنوب شرق تركيا على حدود العراق وإيران قبالة جبال “قنديل”.

وليس هناك أية مؤشرات بعد ما إذا كانت تركيا ستبدأ عمليتها العسكرية عبر الحدود في شمال العراق قبل عيد الفطر في الخامس عشر “15” من يونيو/حزيران، أو قبل بدأ الانتخابات المبكرة قبل العيد بفترة قصيرة أو فقط قبل يوم الاستفتاء. ولكن المؤكد هو أن أردوغان سيبقى المستفيد من العملية العسكرية التي تثير القومية التركية. علاوة على ذلك، سيمر حزب الشعب الجمهوري بفترة أكثر صعوبة عند مغازلة أصوات الأكراد في الوقت الذي يشن فيه الجيش التركي في هجومه الشامل ضد حزب العمال الكردستاني.

قد تكون الأسباب الاقتصادية هي من قلص شعبية أردوغان، غير أن تحصنه بالقومية قد يمكنه من الفوز بالانتخابات البرلمانية والرئاسية بسهولة.

AFP PHOTO/ADEM ALTAN