تجارب الإمارات العربية المتحدة مع مكافآت على السلوك الجيد

جوناثان جرونال

AFP photo: Karim Sahib

أيهما تفضل؟، دفع غرامة مالية بسبب تجاوز السرعة – أم الحصول على تأمين سيارة مخفض لمدة عام بسبب الالتزام بالحد الأقصى للسرعة؟. وماذا عن فاتورة الكهرباء؟، وما رأيك في خفض قيمتها بنسبة “10%” إضافية، على سبيل المثال، نظير تقليل الاستهلاك السنوي في المنزل؟. ثمة أسئلة حول المنافع الاجتماعية النسبية للترغيب والترهيب قد أثارتها مبادرة جديدة لإدارة المكافآت السلوكية لدى وزارة اللامستحيل الإماراتية، وهي الوزارة المعنية بتبني “حلول جديدة لمعالجة القضايا الحرجة وغرس ثقافة يمكن من خلالها مواجهة التحديات المستحيلة بشكل فعال”، ومن هنا كانت أحدث أفكارها وهي خطة المكافآت المصممة لتحفيز السلوك الاجتماعي الإيجابي.

وبخلاف الحصول على نقاط بسبب السلوك لاستخدامها في سداد رسوم الخدمات الحكومية، لم يتضح بعد أي تفاصيل أخرى حول الهدف من تلك الفكرة. وفي النهاية، باتت الفكرة تثير سؤالًا أثار سخرية علماء النفس، وأربك الحكومات في جميع أنحاء العالم لعدة قرون، وهو: هل بات الناس في المجمل يستجيبون بشكل أفضل للعقاب أو الثواب؟.

في ظل معاملات معينة، يكون الترغيب هو الحل الوحيد – ونحن نتردد على المقهى الذي يمنحنا قهوة مجانًا مع كل عشر “10” طلبات من القهوة.

ولكن إقناع الناس بفعل ما تطلبه الحكومة – ولو كان في صالحهم – هي مهمة بالغة التعقيد.

تحاول الحكومات ثني المواطنين عن السلوكيات التي تكون عاقبتها مكلفة على المجتمع – مثل شرب الكحول والتدخين والسمنة – من خلال فرض ضرائب عقابية، والنتائج متباينة. فالفقير يتم معاقبته، وربما يجد راحته في ممارسة سلوكيات أقل تكلفة ولكنها بنفس القدر من الضرر، بينما يستمر الأثرياء في الشرب والأكل والتدخين حتى مماتهم.

ومن هنا جاءت “نظرية الوكز” – وتقوم تلك النظرية على فكرة أنه من الأفضل تهيئة ظروف يستطيع الناس خلالها فعل الشيء الصحيح.

 

وخلص فريق علماء النفس إلى أن تنبيه “وكز” الناس قد يحمل معه “عواقب غير محسوبة”. قد تكون المعلومات المتوفرة حول عدد الأشخاص الذين يعانون من السمنة سببًا في تشجيع المزيد من الأشخاص على الانضمام إلى “نادي” به أعضاء كُثر، بينما قد تكون الحوافز مالية نظير التصرف بطريقة معينة سببًا في عزوف الناس عن التصرف بهذه الطريقة مجانًا”.

كما أن مكافأة الناس على السلوك الجيد لا تنجح دائمًا. وفي بعض المواقف، تكون الاستجابة للتهديد بالخسائر أكثر إيجابية بدلاً من الوعد بالمكافآت.

وفي تقريرٍ عن وسائل علاج السمنة ومنها استخدام الحوافز المالية، تبين أن تلك الوسائل ليس لها إلى أي تأثير كبير على فقدان الوزن على المدى الطويل. ومن ناحية أخرى، نجحت الفكرة القائمة على أن يضع المشاركين أموالاً في حسابٍ لهم، ولن يحصلوا عليها إلا إذا فقدوا الوزن المطلوب.

وباختصار، نحن مخلوقات لا يمكن التنبؤ بها، ولا يمكن على الدوام توقع استجابتها لضغط الأقران.

وهناك ظاهرة معروفة جيدًا لعلماء النفس وهي ظاهرة المعايير الاجتماعية – وهي أن الناس عمومًا يميلون إلى تقليد السلوك الأكثر شيوعًا في محيطهم الاجتماعي. وما لا يدركه الكثيرون، وكشفت عنه دراسة في مجلة Nature Human Behavior في عام 2018، أن معظم الناس سيقلدون اختيارات الأغلبية حتى لو كانوا يعرفون أن هذه الاختيارات جميعها تعسفية أو مشروطة – وهي نتيجة لها تداعيات معقدة على أي محاولة لتجميع مجموعات سكانية بأكملها.

وفي جامعة ملبورن، طلب علماء النفس من 150 متطوعًا أن يتخيلوا أنهم شاهدوا رجلاً يسرق بنكًا، ثم قدم المال لدار أيتام. فهل سيطلبون الشرطة، أم يتركون اليتيم ليحتفظ بالأموال؟. قيل لنصف المتطوعين أن معظم الناس قد اختاروا إبلاغ الشرطة، وقيل للنصف الآخر أن معظم الناس قد غض الطرف عن الأمر. ومع ذلك، قيل للجميع أيضًا أن هاذين القرارين لم يتخذهما المشاركين في التجربة، ولكنه خطأ في برنامج التجربة.

ورغم ذلك، اتبعت كل مجموعة المعايير الاجتماعية السارية سابقًا، “على الرغم من معرفتهم بأن القرارات كانت اعتباطية، ولا تعكس الخيارات الفعلية لأي شخص”.

وإذا كانت المكافأة الأخلاقية – وهي الرضا عن فعل “الشيء الصحيح” – غير كافية لضمان تطبيق السلوك المرغوب اجتماعيًا، فلن تكون الرشوة البحتة أكثر فاعلية – وقد تأتي بنتائج عكسية، كما اكتشف علماء النفس في منتصف الثمانينيات عندما شرعوا في تحدي الحكمة المقبولة المتمثلة في العصا والجزر “الترهيب والترغيب”.

ولنضرب مثلاً على طفلة صغيرة شجعها والديها على القراءة نظير مكافئتها باستمرار. وفي مقابلة معه مؤخرًا، أوضح البروفيسور “ريتشارد رايان”، اختصاصي علم النفس الإكلينيكي في معهد علم النفس الإيجابي والتعليم التابع للجامعة الأسترالية الكاثوليكية، يقول، “عندما أقول إنني سأمنحك المال أو البيتزا نظير قراءة الكتب، فتلك رسالة إلى أن الكتب نفسها ليست ممتعة بدرجة كافية، “ونؤكد في الوقت ذاته على أن البيتزا أكثر أهمية من الكتب، لأن هذه هي المكافأة، ونبعث برسالة خاطئة حول قيمة الشيء”.

وعندما تختفي المكافآت، يختفي كذلك السلوك المطلوب.

ومن المنتظر أن تكون التجربة الإماراتية رائعة، وجاذبة، بشرط إدارتها بشفافية، لانتباه علماء النفس والحكومات في جميع أنحاء العالم. ومن المثير للاهتمام معرفة جوائز السلوكيات. ولكن الأكثر إثارة للاهتمام هو أن نرى رد فعل الناس – وما إذا كان بإمكان وزارة اللامستحيل أن تقهر المستحيل وتستبدل الجزرة بالعصا.

جوناثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل في وقت سابق لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.