الأخبار المضللة؟ واعتماد إيران عليها أكثر من روسيا

حسين عبد الحسين

كان العام الماضي مميزًا بسبب الاهتمام الذي حظيت به “الأخبار المضللة”، ورغم ذلك، تشكل الأخبار المضللة في منطقة الشرق الأوسط أخبارًا جديدة. وليست روسيا هي الدولة الرائدة في استخدام هذا النوع من الأخبار، بل “إيران”. وفي حقيقة الأمر، لا تقتصر الأفعال المسيئة التي تمارسها إيران في المنطقة على رعاية الميليشيات الأجنبية فحسب، ولكنها تتضمن أيضًا تمويل العشرات من المنابر الإعلامية العربية أو دعمها، وتشتمل تلك المنابر الإعلامية على المحطات التلفزيونية الفضائية، ومواقع الويب والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي يديرها حلفاء طهران. وليس الهدف من تلك المنابر الإعلامية هو تعزيز مواقف الجمهورية الإسلامية فحسب، بل تبني وجهات نظرة بعينها لتكون تلك المنابر الإعلامية عالمًا موازيًا.

والهدف الرئيسي من تلك المنابر الإعلامية هو الإشادة دومًا بالانتصارات التي تحققها إيران. وكما هو الحال في الأزمان الغابرة عندما كان النصر إشارة على عطاء الإله – ولأن القيادة الإيرانية ترى في نفسها أنها ظل الإله على الأرض – لا يمكن لإيران أن تكون خاسرة أو مجرد اعتبارها كذلك. وبالتالي، ورغم أن مؤسس الجمهورية الإسلامية الراحل “روح الله الخميني” ظهر على التلفزيون في العام 1988 ليقر بهزيمته من العراقيين في حرب الثمانية أعوام، وهو التصرف الذي شبهه بتجرع السم، إلا أن إيران تحتفل تلك الأيام بهزيمتها لكونها “دفاع مقدس”. وفي مطلع هذا العام، نقلت منابر الأعلام العربية الموالية لإيران احتفاء الإيرانيين بتخليد الذكرى “38” على بداية تلك الحرب واحتفت هي الأخرى بتلك الذكرى. ونقلت قناة “الاتجاه” العراقية عن الجنرال الإيراني “يحي صفوي” قوله “إن دونالد ترامب لم يكن على علم بانتصار الإيرانيين على صدام حسين، لأنه لو كان عالمًا بهذا لما تجرأ على مواجهة إيران.

وفي لبنان، تناولت قناتي “المنار” و”الميادين” خطاب الرئيس الإيراني “حسن روحاني” والذي قال فيه “يجب على الأمريكيين تعلم الدرس من انتصار إيران على العراق. وبالمثل، نشر المركز الإسلامي اللبناني للتبشير عبر موقعه على شبكة الإنترنت خطاب للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية “علي خامئني”، والذي استرجع فيه ذكريات الحرب، وطالب أنصاره بكتابة تاريخ الحرب خشية أن يكتبها “الأعداء”.

ولأن “إيران تنتصر دائمًا”، لا يتوانى المفكرون العرب الموالون لإيران عن وصف العقوبات الأمريكية على إيران بعديمة الجدوى. ويتناول الإعلام الموالي لإيران بكثرة مسألة التظاهر بأن العالم يشهد الآن حقبة ما بعد الدولار. وذكر “أحمد شعيتو” في مقالته المعنونة بـ”من إيران إلى عالم ما بعد الدولار” والذي نشره على موقع قناة “المنار” عبر الإنترنت، أن المفكرون العرب الموالون لإيران يتغافلون بكل بساطة عن حقيقة أن العملة الإيرانية فقدت نصف قيمتها منذ أن قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة فرض العقوبات على إيران في شهر مايو.

واستطردت النقاشات الإيرانية في تحليلها لتقول بأنه ثبت أن الغرب بأكمله بطل من ورق. وفي إحدى خطب الجمعة، رأى أحد خطباء طهران وهو “كاظم صاديقي” أن مظاهرات السترات الصفراء في فرنسا تمثل فرصة لإثبات أن الغرب المتحرر هو أمة فاشلة، وأن النموذج الإسلامي الإيراني هو النموذج الوحيد للنجاح الحقيقي. ويبلغ معدل إجمالي الناتج المحلي لكل فرد في فرنسا 38,500 دولار أمريكي مقابل 5,400 دولار أمريكي في إيران، وهي حقيقة أخرى يتجاهلها بسهولة المفكرون الموالون لطهران من العرب والإيرانيين.

كما يروج المفكرون العرب الموالون لإيران مسألة أن إيران كانت ومازالت إحدى الدول الرائدة في مجال التكنولوجيا والتصنيع والزراعة. وفي مقال له في صحيفة حزب الدعوة الإسلامية العراقي، أشار “علي خياط” إلى أن “إيران دولة صناعية ومنتجة وتطبق التكنولوجيا الحديثة”. ورغم تفاخر طهران بهذا الأمر، إلا أنها اضطرت إلى التوسل إلى الشركات الأجنبية لتطوير موارد الطاقة لديها مثل مشروع “Pars 11” وهو حقل نفطي تركته شركة الطاقة الفرنسية العملاقة “توتال” بعد فرض العقوبات الأمريكية على إيران، وتسلمته بعد ذلك مؤسسة البترول الوطنية الصينية.

ومن التناقضات أيضًا ذلك الصراع الذي لم ينتهي بين رغبة إيران في ممارسة دور المنتصر ومحاولاتها لتقديم نفسها على أنها ضحية “الغطرسة” الأمريكية “وظلمها”. وقبيل الاجتماع الأخير بين وزراء خارجية إيران وتركيا وروسيا في جنيف، قال “محمد جواد ظريف”، إن الغرب قبل أخيرًا بالأمر الواقع وأصبح راغبًا في تسوية النزاع في سوريا وفقًا للأسس التي حددتها إيران. ومع نهاية اليوم، أفادت قناة الميادين الموالية لإيران وكذلك موقعها على الإنترنت أن أمريكا هي التي كانت تعوق تسوية الأزمة السورية في اجتماع جنيف، ومن ثم، اضطر الغرب إلى الاعتراف بالوجود الإيراني في سوريا، وفي الوقت نفسه إعاقة أي تسوية.

وبالإضافة إلى الحقائق والتناقضات الأخرى التي يتميز بها الإعلام في طهران – سواء المنقول باللغة العربية أو الفارسية – نجد أن هذا الإعلام يتناول الأخبار بصورة انتقائية، فعندما أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بيانًا يشجب فيه الانتهاكات “الصارخة” لحقوق الإنسان في إيران، تجاهلت المنابر الإعلامية في إيران هذا الحدث، وانتابت وسائل الإعلام العربية الموالية لإيران موجة من الغضب الشهر الماضي في سياق التقرير الذي أصدرته إحدى لجان البرلمان الإيراني ردًا على تقرير الأمم المتحدة. وحتى الآن، لم تقدم تلك المنابر الإعلامية أي اخبار عن هذا التقرير، ولذلك اضطر القراء ومشاهدو نشرات الأخبار التلفزيونية إلى الإذعان إلى رواية أن إيران رفضت بيان الأمم المتحدة والذي لم يُعرف بعد نصه أو سياقه.

وكإيران نفسها، تعيش وسائل الإعلام العربية التي تمولها إيران في عالم موازي، فضلاً عن تجاهلها قوانين الصحافة في أوقات كثيرة، وتعميم الدعاية الإعلامية، وتقديم روايات متناقضة. ربما تكون وسائل الإعلام العربية الموالية لإيران أفضل بكثير من أسلافها التي تديرها الدولة، ولكن من حيث المحتوى، نجد أنهما يقدمان رسالة واحدة ومحددة والتي ترغب طهران في نشرها ليس فقط داخل إيران بل في أنحاء المنطقة الناطقة باللغة العربية.

وفي الوقت الذي تكون فيه الأخبار المضللة أخبارًا شائعة، باتت إيران في طليعة الدول التي تستخدم تلك الأخبار المضللة. ولسوء الحظ، لا يبدو أن ما تم فعله كافيًا لمواجهة الاثار الضارة الناجمة عن التزييف الذي تقوم به وسائل الإعلام الفعالة في طهران، ولذلك من الافضل للقوى العالمية أن تتخذ قرارها في هذا الشأن.

AFP PHOTO/ATTA KENARE