بالنسبة لإسرائيل وتركيا، الأمر برمته الآن حول الغاز

Burcu Ozcelik

AFP Photo: Sakis Mitrolidis

في شهر سبتمبر، أطلق الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أحدث تصريحاته الهجومية في ظل الأزمة التي تسود منطقة شرق المتوسط. وحذر “أردوغان” من أن “أولئك الذين يعتقدون أن الثروات الطبيعية لجزيرة قبرص والمنطقة تخصهم وحدهم دون غيرهم فإنهم سيصطدمون في المستقبل بقرارات حاسمة من تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية، كما هو الحال اليوم”.

إن “الثروات الطبيعية” التي أشار إليها “أردوغان” هي حقول الغاز في شرق البحر المتوسط. وقد عزز اكتشاف تلك الثروات بعد عقد من الزمان تكوين بعض التحالفات غير المتوقعة، وتفكك العلاقات القائمة منذ فترة طويلة بين تركيا وإسرائيل. وبعد أن وجدت نفسها فجأة منتجًا رئيسيًا للطاقة، سعت إسرائيل بقوة إلى إقامة تحالف أوثق مع جارتيها في شرق البحر المتوسط، وهما قبرص واليونان. ووقعت الدول الثلاث على عقود واتفاقيات تصدير، وفي مارس، تعهدت الدول الثلاث أيضًا بزيادة التعاون بينها في مجال أمن الطاقة الإقليمي.

وفي غضون ذلك، توترت العلاقات التركية الإسرائيلية في عام 2010 بسبب حادثة السفينة “مرمرة”، والتي قتل فيها تسعة أشخاص أثناء محاولتهم منع القوات الخاصة الإسرائيلية من اعتلاء سفينة تركية تحمل مساعدات إلى غزة. وفي عام 2016، اتفق الجانبان على إعادة العلاقات إلى طبيعتها، بل وبدأ التفاوض بشأن شروط تصدير الغاز من حقل ليفياثان للغاز، والذي يحتوي على ما يتراوح بين 500 و 800 مليار متر مكعب من الغاز، إلى تركيا عبر خط أنابيب رئيسي جديد. لكن المحادثات انهارت، والسبب في ظاهره هو الأسعار وطرق الإمداد، غير أن السبب الحقيقي لانهيار المحادثات هو العداء المتبادل المستمر بين حكومتي بنيامين نتنياهو وأردوغان بشأن غزة.

وأثار التحالف بين إسرائيل واليونان وقبرص نقطة خلاف جديّة أخرى، حول وضع جمهورية شمال قبرص التركية (TRNC)، وهي دولة نشأت عام 1974، ولا تحظى باعتراف أي دولة سوى تركيا. وعلى النقيض من ذلك، فإن جمهورية قبرص الواقعة في جنوب الجزيرة هي عضو في الاتحاد الأوروبي. وترجى جميع الطوائف السياسية في تركيا أن في هذا الأمر ظلم لجمهورية شمال قبرص التركية.

وتوقفت المفاوضات لحل النزاع مراراً وتكراراً. وتعترض تركيا على المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ) والتي تطالب بها قبرص من جانب واحد، وتحتج تركيا بأن جمهورية شمال قبرص التركية لها نفس حقوق استكشاف الطاقة مثل النصف اليوناني من الجزيرة، والذي قدمت حكومتها منحًا لشركات دولية للتنقيب في مياهها. كما قامت السلطات القبرصية التركية بمنح سفينتين حفر تركيتين حق التنقيب البحري. وفي العام الماضي طاردت السفن العسكرية التركية سفينة إيطالية كانت تقوم بالحفر في منطقة تعتبرها أنقرة منطقة خاصة بالقبارصة الأتراك.

وفي ظل تلك الأحداث، تبدو فرص إحياء التعاون في مجال الطاقة بين تركيا وإسرائيل في شرق البحر المتوسط ضئيلة، ولكن ثمة عوامل أخرى لا يمكن لأي من الطرفين تجاهلها على المدى الطويل.أولاً، تحتاج إسرائيل بشدة إلى وسيلة لتصدير الغاز الطبيعي. ويحجم المستثمرون عن الالتزام بإنشاء خط أنابيب “شرق المتوسط” عبر قبرص واليونان، بسبب تكلفته المقدرة بـ”7″ مليارات دولار أمريكي، وصعوبته الفنية. كما تعترض لبنان على خط أنابيب “شرق المتوسط” المقترح لأنه سيقتطع مساحة تبلغ 330 ميلًا مربعًا من البحر، وهو جزء من نزاع حدودي بحري مع إسرائيل.والخيار الأكثر واقعية هو أن ترسل إسرائيل الغاز إلى منشآت الغاز الطبيعي المسال المصرية، وبهذا الخصوص، وقعت إسرائيل مع مصر اتفاقية بقيمة 15 مليار دولار أمريكي في عام 2018. ومع ذلك، فقد حققت مصر اكتشافاتها الهيدروكربونية الرئيسية، وتريد الآن حماية قدرتها التنافسية. إلا أن المخاوف الأمنية المتزايدة في شبه جزيرة سيناء أدت إلى تأخير التقدم.ويقول “جون في بولس”، من مركز الطاقة والتنمية المستدامة بجامعة قادر هاس في إسطنبول، إن البديل الأكثر جدوى الآن هو تركيا، لأنها الدولة الوحيدة القادرة على تخزين كميات .كبيرة من غاز حقل ليفياثان ونقله إلى أ

كما إن التفاوض على أسعار طويلة الأمد لاستيراد الغاز من إسرائيل ستكون أيضًا أكثر اقتصادا بالنسبة لتركيا من الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال الذي تم شراؤه في السوق الفورية من الولايات المتحدة وقطر. وتريد تركيا بشدة تجنب الخسارة أمام مصر كمركز إقليمي رئيسي للطاقة.ثانياً، (وهو أمر هام من وجهة نظر تركيا)، لقد تجنبت إسرائيل اتخاذ موقف قوي بشأن المستقبل السياسي لقبرص أو إعادة توحيد الجزيرة. وتلك هي السياسة الإسرائيلية، التي تبقي الباب مفتوحًا لإجراء محادثات جديدة مع تركيا حول التعاون في مجال الطاقة، رغم أن هذا الأمر قد يتغير مع قدوم حكومة جديدة في تل أبيب.وأخيرًا، وفي مواجهة ضغوط الدول الأوروبية المؤيدة لقبرص، يمكن أن تتجه تركيا إلى روسيا طلبًا للمساعدة. وطرحت أنقرة بالفعل فكرة منتدى شرق المتوسط للطاقة بالشراكة مع لبنان وليبيا وسوريا، وفي وجود روسيا بصفة مراقب. وتسعى روسيا أيضًا منذ فترة طويلة للحصول على حصة من الغاز الإسرائيلي. ومع وجود روابط خاصة طويلة الأمد مع موسكو، قد ترى إسرائيل أن عرضًا لإنتاج الغاز بالاشتراك مع الروس هي خطوة عملية. ومن المحتمل أن تتغير الأمور بسبب إمكانية وجود غاز في المياه الإقليمية السورية، وهناك تضع روسيا قدمًا لها، الأمر الذي يؤثر على كلٍ من إسرائيل وتركيا.ولا شيء من هذا يقلل من أهمية العقبات التي تعترض التقارب التركي الإسرائيلي. والسبب في ذلك أمرًا واحدًا، وهو أنه مع ارتقاء إسرائيل إلى صدارة الإنتاج الإقليمي للغاز، لماذا يندفع صناع السياسة لإدراج تركيا في الشبكة الاقتصادية والسياسية الجديدة التي يحاولون بناءها؟ومع ذلك، فإن صانعي السياسة الخارجية الإسرائيليين يأسفون أيضًا لفقدان تركيا حليفًا طويلًا وهامًا في السيطرة على عدم الاستقرار الإقليمي. ولكن قبل إصلاح أي جسور بالشكل الذي يجعل التعاون في مجال الطاقة أمرًا ممكنًا، يجب على الدولتين إعادة بناء الثقة السياسية وإحياء البراغماتية التي لطالما

كانت السمة المميزة لعلاقتهم. بيركو أوزيلك، زميل باحث في جامعة كامبريدج.