خسائر الانتخابات في تركيا تمثل للأكراد تغيرًا في المشهد السياسي

فيصل اليافعي

AFP photo: Ilyas Akengin

بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، كانت خسارة العاصمة أنقرة في الانتخابات المحلية مساء الأحد بمثابة ضربة مفاجئة. ولكن على الجانب الآخر من البلاد، وفي الليلة ذاتها، حقق الحزب انتصاراته المفاجئة، حيث فاز بالعديد من المحافظات ذات الأغلبية الكردية.

لم يكن متوقعًا أن يفوز حزب الرئيس، رجب طيب أردوغان، بالانتخابات في المناطق التي يهيمن عليها الأكراد في جنوب شرق البلاد، حيث يسود حزب الشعب الديمقراطي الموالي للأكراد، وقد يكون الموقف المتشدد الذي يتخذه أردوغان ضد حزب العمال الكردستاني المتمرد، والأكراد السوريين عبر الحدود، في غير صالحه. ومع ذلك، قدم حزبه، والمعروف اختصارًا بـ”حزب العدالة والتنمية”، عرضًا قويًا.

وبعد خسارة حزب الشعب الديمقراطي لمقاعده، ستشهد السياسة التركية مرحلة جديدة من التعقيد. بيد أن هذه المرحلة تشكل جزءًا من عملية إعادة تنظيم واسع النطاق بين أكراد المنطقة، حيث تحاول المجتمعات في العديد من دول الشرق الأوسط تعظيم مكاسب الأكراد في ظل هذا المشهد سريع التغير.

وفي جميع أنحاء تركيا، انخفض إجمالي حصة حزب الشعب الديمقراطي في التصويت إلى “4,24%” مقارنة بـ”11,7%” في الانتخابات البرلمانية التي جرت العام الماضي. والأهم من ذلك، هو أن حزب الشعب الديمقراطي خسر إقليم “أغري” الواقع على الحدود مع إيران، ومحافظة شرناق الواقعة على الحدود السورية، وهما المحافظتان التي فاز بهما حزب الشعب الديمقراطي بأريحية قبل خمس سنوات. وبشكل عام، من بين المقاطعات ذات الأغلبية الكردية والتي يتنافس عليها حزب الشعب الديمقراطي وحزب العدالة والتنمية، فاز حزب أردوغان بنصفها تقريبًا، وهو تحول مفاجئ للغاية.

ولم يتضح على الفور أسباب تلك الخسارة. وكانت المنطقة الجنوبية الشرقية هي الأكثر تضرراً من الحرب طويلة الأمد بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، وهي جماعة إرهابية خاضت صراعًا مسلحًا منذ سبعينيات القرن الماضي، واندلع العنف مرة أخرى في تلك المنطقة منذ العام 2016، وكانت المدن والمحافظات التي صوتت لصالح حزب العدالة والتنمية أول من تعرض للدمار بسبب الحرب، ومن ثم استفادت من أعمال إعادة البناء التي نفذتها الحكومة المركزية لاحقًا.

ومن تفسيرات تلك النتائج، والتي تميل اليها وسائل الإعلام المؤيدة لأردوغان، هو أن السكان الأكراد يلومون حزب الشعب الديمقراطي، والذي يعتبره الكثيرون مقربًا من حزب العمال الكردستاني، على استفزازه للحكومة. وحتى لو كان بعض الأكراد مصدقًا لهذا التفسير، فلم يتضح على الفور سبب التغير الكبير في المشاعر منذ الانتخابات البرلمانية والرئاسية في الصيف الماضي، والتي أبلى فيها حزب الديمقراطية الديمقراطي بلاءًا حسنا. وفي الواقع، قد يكون التفسير بسيط للغاية، لأن العديد من المدن في حاجة إلى تدبير قدر كبير من التمويل لتنفيذ مشروعات البنية التحتية العامة، ومن المحتمل أن الناخبين اعتقدوا أن حزب العدالة والتنمية الحاكم قد يشركهم على المستوى المحلي.

ومع ذلك، لن يكون الأمر مفاجئًا إذا كان الكثير من الأكراد في تركيا قد سئموا من الحرب، ويتطلعون إلى الحكومة المركزية لتحقيق بعض الاستقرار.

ومن أحد الجوانب قليلة الطرح فيما يتعلق بنضال الأكراد لنيل حقوقهم، ليس فقط في تركيا ولكن في بلدان الشرق الأوسط الأخرى، هو الانقسامات بين الشعب والأحزاب السياسية. وفي بعض الأحيان، كانت الأحزاب تضغط بقوة من أجل المواجهة في حين ان الشعب لم يكن يعاني.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، ظهرت لمحة عن التغيير، وذلك، عندما أجرى نيجيرفان بارزاني، رئيس وزراء إقليم كردستان العراق، والذي سعى بقوة لأن يحل محل عمه، مسعود بارزاني، الرئيس الحالي للإقليم، مقابلة وأعلن خلالها عن توقيع مذكرة تفاهم استثنائية بخصوص عواصم المنطقة.

وقال بارزاني في حديثه إلى مجلة “المونيتور” الإلكترونية ومقرها الولايات المتحدة الأمريكية، إن حزب العمال الكردستاني “يقدم ذريعة للتدخل التركي”، وأنه من غير المقبول “أن تعمل مثل هذه الجماعات ضد جيراننا”، ووجه عبارات قاسية إلى أكراد سوريا، إذ قال: “أعتقد أن إخواننا الأكراد في سوريا تصرفوا بشكل سلبي تجاه تركيا “. وحث أكراد سوريا على العودة إلى النظام.

بالنسبة لشخص يطمح لقيادة إقليم كردستان العراق، وهو أنجح مجتمع للأكراد في المنطقة، فإن العبارات التي قالها تبعث على الدهشة. ومن أحد أسباب ما قاله، هو أنه بعد الاستفتاء الفاشل في العام 2017، والذي دفع الحكومة المركزية العراقية لاستعادة مدينة كركوك الغنية بالنفط والمتنازع عليها من الميليشيات الكردية، أقر “بارزاني” بالحاجة إلى تبني موقف أكثر تصالحًا تجاه بغداد وعواصم وطنية أخرى.

وبالتأكيد، وبعد فترة طويلة بدت فيها أن التطلعات إلى تكوين إقليم كردي يتمتع بأكبر قدر من الحكم الذاتي، بل انه كان هناك تطلع الى امكانية قيام دولة، الا ان عواصم المنطقة الآن باتت أكثر نفوذاً.

وفي تركيا، وعلى الرغم من تعرض أردوغان لانتكاسة في الانتخابات المحلية هذا الأسبوع ، فإنه الآن لن يواجه انتخابات أخرى حتى عام 2023، وهي فترة كافية للاستراحة من سياسات المواجهة تجاه الأكراد السوريين، وأكراد تركيا أيضًا.

وفي العراق، يجري الآن إعادة بناء للعلاقات بين الحكومة المركزية والمنطقة الكردية في عهد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، غير أن اليد العليا لبغداد.

وفي دمشق، يراقب النظام السوري الأكراد السوريين وهم يبحثون عن حلفاء من واشنطن إلى موسكو، ولكن يبدو أن النظام السوري واثق من أن الأكراد سيقبلون في نهاية الأمر بالعودة إلى عباءة النظام. وفي الأسبوع الماضي، اقترح مبعوث كردي سوري أن يدمج الأكراد قواتهم مع جيش النظام في مقابل حكم ذاتي محدود.

وتمثل خسارة الحزب الحاكم للانتخابات في تركيا أخبار سارة للأحزاب السياسية الأخرى. لكن بالنسبة للأكراد في تركيا، فمن شأن هذه النتيجة والتي تتزامن مع خسائر الحزب الموالي للأكراد، أن تكون لها على الأقل نتائج مختلطة. وفي هذا المشهد السياسي سريع التغير، يبدوا أن بعض الأكراد سيتحول من مواجهة الحكومات الوطنية إلى التعاون معها، ومن العزلة إلى التواصل مع العواصم.