على الفلسطينيين تنحية رغبتهم في الانتصار على الكنيست الإسرائيلي جانبًا: والتركيز الآن على إقناع العالم بقضيتهم

جوزيف دانا

AFP Photo: Hazem Bader

ما الذي يرقبه المواطن الفلسطيني في البرلمان الإسرائيلي؟. فبالنظر إلى الهيمنة السياسية لليمين الإسرائيلي، وتشريع عدد كبير من القوانين التمييزية، يخوض الفلسطينيون معركة شاقة لا نهاية لها، مع ميل الكفة لصالحهم قليلاً. وظل هذا الأمر كذلك على مدى خمسة عقود، لكن الدورتين الانتخابيتين الأخيرتين وضعت القضية الفلسطينية تحت المجهر، وربما تكون القرارات التي تتخذها القيادة الفلسطينية في الوقت الراهن نقطة تحول في الانتخابات العامة المقبلة في سبتمبر.

في عام 2015، تحالفت أربعة أحزاب فلسطينية وكونت ما أصبح معروفًا بتحالف “القائمة المشتركة”. وحقق هذا التحالف نتيجة رائعة بحصده ثلاثة عشر “13” مقعدًا في البرلمان. ولوهلة قصيرة ، بدا الأمر كما لو أن الأحزاب الفلسطينية الرئيسية، والتي انقسمت على نفسها لفترة طويلة بخصوص الدين والاشتراكية، ستحوز بعض القوة داخل الكنيست. وكونها تمثل أكثر من عشرين “20%” من سكان إسرائيل، فقد كان من الممكن لتلك الكتلة الفلسطينية الموحدة أن تقوم بعدد من الأنشطة، ومنها مشاريع القوانين للحد من التوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية، وجني المزيد من الحقوق للمواطنين الفلسطينيين. غير أن هذه الفرصة تحطمت وضاعت نتيجة الاقتتال الداخلى، كما حدث من قبل في السنوات الستين الماضية.

وقد تركت الخلافات المريرة تلك القائمة في حالة من الفوضى. وانقسمت الكتلة إلى حزب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة الاشتراكي على رأس كتلة حزبية، وحزب “بلد” القومي الديني على رأس الكتلة الأخرى. وكان عدم الإقبال هو سمة الناخبين الفلسطينيين، إذ جاءت نتائج الانتخابات الأخيرة في أبريل مروعة: حيث عزف عن التصويت أقل من نصف الفلسطينيين الذى لهم حق التصويت، وانخفضت نسبة التصويت عن انتخابات العام “2015” بمقدار “64%”. وفازت الأحزاب مجتمعة بعشرة “10” مقاعد، مما ساعد اليمين الإسرائيلي على تعزيز مكاسبه البرلمانية.

هناك فارق حدث خلال الثلاثة أشهر. في ظل تفكك اليمين الإسرائيلي، ومحاولات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المحمومة للتمسك بالسلطة، رأت “القائمة المشتركة” أن الأمور مواتية لها لإعادة تجميع صفوفها. ومن خلال التوحد معًا تحت لواء تحالف متجدد، وعدت “القائمة المشتركة” بتحقيق نتائج أفضل في الانتخابات القادمة في سبتمبر، وذلك مع إعلان الزعيم “أيمن عودة” أنه بالإمكان الإطاحة بحكومة “اليمين”، ووقف العنصرية البغيضة وسياسة الاستيلاء على الأراضى المتزايدة في إسرائيل.

وبتنحية هذا الحديث جانبًا، نقول أن الوقت حان لكي ينظر المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل إلى خياراتهم بعناية أكثر، وأن يعترفوا بالعقبات النظامية الموجودة أمامهم. وقد تكون هذه لحظة التحول الكبير في النضال لنيل حقوق المساواة والكرامة في إسرائيل.

ومن سياسات الأرض إلى الحق في إحياء ذكرى تاريخهم، يواجه الإسرائيليون ذوى الأصول الفلسطينية تمييزًا مؤسسيًا والتي تعكس قوانين التفرقة في أمريكا، والفصل العنصرى في جنوب إفريقيا. وملكية الأرض هي مجرد مثال واحد من بين العديد من الأمثلة. فوفقًا للقانون الأساسى لدولة إسرائيل –حيث أن إسرائيل ليس لديها دستور رسمي – لا يمكن لأحد السيطرة على الأراضي العامة سوى الدولة والصندوق القومي اليهودي (JNF) وهيئة التنمية. وفقًا لسياسته الخاصة، يؤجر الصندوق القومى اليهودى الأراضى لليهود فقط. وبالنظر إلى أن “93%” من الأراضى في إسرائيل هي أراضٍ عامة ويشرف عليها أحد تلك الكيانات، فإنه يحظر على المواطنين الفلسطينيين فعلياً تأجير الغالبية العظمي من الأراضى في بلدهم.

وهناك عدد لا يحصى من القوانين الأخرى والتي تضع السكان الفلسطينيين خارج المجتمع الإسرائيلي السائد، وتعرقل مشاركة الفلسطينيين بشكل كامل باعتبارهم مواطنين. وما يثير اندهاش الواحد منا هو استمرار الفلسطينيين في التعامل مع الحكومة الإسرائيلية في جميع الأحوال.

وفي هذه اللحظة من تاريخها، تحمل دولة إسرائيل الطابع اليمينى بشكل لا لبس فيه. ولم يعد ينطلى على المجتمع الدولى ما يقوله الدبلوماسيون الإسرائيليون بخصوص أن إسرائيل هي البلد الديمقراطى الوحيد في الشرق الأوسط. لقد ضاق الأمر بالليبراليين الغربيين بسبب إدعاءات إسرائيل بأنها دولة ليبرالية، وهو إدعاء لا أساس له في الوقت الراهن. لقد كشفت إسرائيل عن وجهها الحقيقى، وأصبحت العنصرية العدوانية في قلب مشروع الدولة الإسرائيلية واضحة أمام الجميع.

ويحظى المواطنون الفلسطينيون بفرصة فريدة لاستخدام هذا التغيير لحشد الدعم الدولي لقضيتهم. وبدلاً من أن يخوض الفلسطينيون معركة شاقة في البرلمان الإسرائيلي حيث يصطف الجميع ضدهم، يجب عليهم التركيز على بناء شراكات دولية يمكن أن تمارس ضغوطًا خارجية على إسرائيل لإصلاح تجربتها الديمقراطية الفاشلة. وهذا لا يعنى أن على الفلسطينيين التخلى عن النظام السياسى تمامًا أو مقاطعة العملية الانتخابية، بل يجب أن يكون لديهم إدراك بأن الاقتتال المستمر من أجل تغيير سياسي بسيط وملموس هي علمية استنزاف للطاقات، ولا طائل منها.

ومن غير الواضح ما إذا كان نتنياهو سيحتفظ بالسلطة في انتخابات سبتمبر أم لا، لكن التحول الذي تشهده البلاد تجاه اليمين سيستمر بالتأكيد. ومع وجود شريك متعاطف في البيت الأبيض، يجب على الفلسطينيين توقع المزيد من التشريعات التي تتسم بالعدوانية والعنصرية الواضحة .

في يومٍ ما، قال “أبا إيبان”، الدبلوماسى والمؤرخ الإسرائيلي الشهير، إن الفلسطينيين لم يتركوا فرصة إلا وفقدوها. وعندما يبدأ المجتمع الدولي بمناقشة إسرائيل بشأن عنصريتها وتشابهها مع دولة الفصل العنصرى، نجد أن الوقت حان لكي يسمع العالم أصوات المواطنين الفلسطينيين، ويعلم كيف تبدوا الحياة في إسرائيل الديمقراطية، وستكون نتائج هذا الأمر للفلسطينيين أكثر بكثير من خوض معارك غير محسومة في الكنيست.

يعمل “جوزيف دانا”، والذي يتخذ من دولة جنوب أفريقيا ودول الشرق الأوسط موطنًا له، رئيس تحرير “emerge85″، وهو مختبر يستكشف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثيرها العالمى.