40 عامًا من فشل السياسة الأمريكية تجاه إيران

حسين عبد الحسين

AFP Photo/Atta Kenare

حينما قام الرئيس دونالد ترامب بمهاجمة إيران عبر تدوينة على موقع تويتر عنوانها “40 عامًا من الفشل”؛ فقد كان من الممكن فهم التدوينة بطريقتين: 40 عامًا من إضاعة الوقت والموارد الثمينة للنظام الإسلامي، وتلك الأعوام الأربعين شهدت أيضًا فشلًا أمريكيًا في ردع أو تراجع إيران التي باتت تتسم بالعداء بشكل متزايد.

وقد تم عقد مؤتمر في وارسو الاسبوع الماضي، وكان الهدف الأساسي للمؤتمر الوقوف بوجه الأنشطة الإيرانية التي ترمي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، لكن ولسبب غير مفهوم، تحول إلى مؤتمر للسلام بين العرب وإسرائيل، وفي وارسو، حاولت واشنطن لكنها فشلت في القيام بحيلة للدعاية، من أجل إظهار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهو يصافح مسئولي دول الخليج المشاركين في المؤتمر بشكل علني.

ولم تكن هناك أية مصافحات، وقام وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بنشر تدوينة مفادها إن موقف الرياض من الصراع العربي الإسرائيلي لم يتغيّر، والسعوديين سوف يقومون بمصافحة الإسرائيليين فقط في حالة تنفيذ مبادرة السلام العربية التي انطلقت من بيروت في العام 2002، وهي المبادرة التي ترمي إلى إقامة دولة فلسطينية على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة.

وقد فشل مؤتمر وارسو في تحقيق السلام، كما فشل في تقديم خطوات ملموسة من أجل التعامل مع النشاط الإيراني الذي يهدف إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، وذلك بسبب قيام واشنطن بالربط بين عملية مواجهة إيران وتأسيس جبهة مشتركة عربية – إسرائيلية، وأيضًا بسبب فشل التطبيع بين العرب وإسرائيل.

والواقع أن الفشل الأمريكي في التعامل مع إيران كان موجودًا قبل صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم، وأغلب الظن أن هذا الفشل سيستمر بعد رحيل ترامب.

وقد اتسم الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان بكراهية إيران، لكنه تعامل مع ذلك بدبلوماسية الأبواب الخلفية، وقام بعقد اتفاقية “إيران كونترا” مع طهران، التي تقضي بقيام واشنطن بإمداد إيران بالأسلحة سرًا خلال حربها مع العراق، ثم أتى بيل كلينتون، الذي ظن أنه يستطيع بالتعاون مع نظيره محمد خاتمي عمل تقارب بين الدولتين، وقام جورج بوش الإبن من جانبه بوضع إيران في “محور الشر”، ثم أقدم على إيفاد “ريان كروكر” إلى جنيف من أجل عقد صفقات مع إيران خلف الكواليس لحل المشكلات في كل من العراق وأفغانستان، وبعد انتهاء فترة حكم جورج بوش الإبن؛ قام باراك أوباما بانتهاج سياسة عكسية، ودعا إلى عودة غير مشروطة للعلاقات بين واشنطن وطهران، وهي الفرصة التي لم تستغلها طهران مطلقًا، وأخيرًا فقد أعلن ترامب  نفسه كأشد الرؤساء صرامة في التعامل مع إيران. وطوال تلك الفترة ظلت السياسة الإيرانية تجاه واشنطن ثابتة، وعنوانها: “الموت لأمريكا”.

والتضارب الأمريكي كان حاضرًا في العراق أيضًا، وبعد التعاون مع السُنّة، نجح هؤلاء في طرد تنظيم القاعدة من بلادهم، وبحلول العام 2011 اعتبرت واشنطن أن مهمتها في العراق قد انتهت، وقامت بتدمير السُنّة عبر وضعهم تحت رحمة منافسيهم من العراقيين الشيعة، الذين بدورهم لم يقوموا بإضاعة الوقت، وقاموا بكسر شوكة القادة السُنّة بشكل سريع، وحينما قام تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) باجتياح مدينة الموصل في العام 2014؛ حاولت أمريكا إعادة فتح قنوات الاتصال مع نفس القبائل السُنِيّة، لكن أحدًا منهم لم يبدي تعاونًا في الحرب على داعش، والقبائل السُنِيّة التي وافقت على ذلك انتهى بها الأمر للعمل مع الحكومة العراقية الموالية لطهران، وبات النفوذ الأمريكي على الأرض معتمدًا على بغداد، والحقيقة أن واشنطن وبدلًا من جعل السُنّة يقومون بتدمير داعش واستعادة الأراضي التي قام التنظيم بالسيطرة عليها؛ انتهى الأمر بواشنطن إلى توفير الغطاء الجوي للميليشيات الشيعية الموالية لإيران.

وقد وعد ترامب باتباع سياسة أكثر ذكاءً خلال المواجهة مع طهران، لكن تلك الوعود وقفت عند حدود التهديد ولم تتحول إلى واقع.

وعبر الإصرار على سحب 2000 مقاتل أمريكي من الأراضي السورية شرق نهر الفرات؛ قام ترامب  بتكرار خطأ أوباما بالتخلّي عن حلفاء واشنطن على الأرض، وبينما أقدم أوباما على خطوة غير مبررة بالتخلّي عن العراقيين السُنّة؛ فإن ترامب ولسبب غير مفهوم ترك أكراد سوريا لمواجهة مصيرهم، وهؤلاء قاموا بإظهار بطولة في القتال ضد داعش للقضاء عليهم، وحينما قامت القوات الأمريكية بالتخلّي عن الأكراد؛ فإن ذلك أعطى ميزة هائلة لإيران وحلفائها مثل حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية العراقية على الأرض، لأن إيران، وعلى العكس من الولايات المتحدة، تتبع سياسة ثابتة تقضي بعدم التخلّي مطلقًا عن حلفائها المحليين.

وقد أدّى التضارب الأمريكي إلى توفير ميزتين لإيران، والأولى تتمثّل في أنه على الرغم من الإجراءات الأمريكية القاسية التي تتم برعاية رئيس محدد، فإن إيران على يقين من أن الرئيس الأمريكي لن يظل في الحكم، وأن سياسة أمريكا تجاه إيران ستتحول من العداء إلى الصداقة في وقت قصير نسبيًا، وكل ما على طهران أن تفعله هو الانتظار، حتى يتم تغيير الرئيس الأمريكي ومن ثم تنجوا طهران من الإجراءات الأمريكية القاسية.

والميزة الثانية هي أن التضارب الأمريكي نجح في الإبقاء على حلفاء واشنطن على الأرض، مثل الحكومات والقبائل والشخصيات الأخرى التي لها دور على الساحة، واللاعبون المحليون عادة ما يبحثون عن تحالفات ثابتة ولفترة طويلة، وحينما تقوم قبيلة ما بتحدي قبيلة أخرى؛ ربما يكون هناك دماء وانتقام وعداء تتوارثه الأجيال، والممثلون المحليون لن يستطيعوا تحمُل مسألة المساندة على فترات متقطعة، وهؤلاء عادة ما يبحثون عن تحالفات ثابتة مع قوى مؤثرة.

أما طهران من جانبها، لن تقوم بالبحث عن أعداء أفضل من الموجودين، والواقع أن الإيرانيين العاديين يتضررون من العقوبات الأمريكية، لكن النظام الإيراني يملك حصانة ضد الفقر والمعاناة بشكل عام، ويمكن لإيران الانتظار حتى رحيل ترامب، وأمريكا سوف تحاول قريبًا اتباع سياسة جديدة، لكن لن تكون هناك ضمانات حول سياسات أمريكية ثابتة تجاه إيران، تلك هي السياسة الخارجية الأمريكية، والإيرانيين يعلمون ذلك.

حسين عبد الحسين هو مدير مكتب صحيفة “الراي” الكويتية اليومية في واشنطن، وهو زميل زائر سابقًا في معهد “تشاتام هاوس” لندن.