ملك فرنسا الفيلسوف يبحث عن مشاكل جديرة بالاهتمام

فيصل اليافعي

لم تمض سوى أيام قليلة على تولي إيمانويل ماكرون فترته الرئاسية الجديدة وقد أثبت بالفعل أنه لم يتخل عن أيٍّ من طموحاته الكبيرة.

ففي حديثه إلى البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، اقترح ماكرون — لا يجب أن ننسى هنا أن ثمة حربًا هائلة مندلعة في القارة الأوروبية — إنشاء مجتمع سياسي جديد للقارة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي. وقال إن ذلك المجتمع «سيلتزم بالقيم الأوروبية لإفساح مجال جديد للتعاون السياسي»، وسيكون مفتوحًا لمَن لم ينضموا بعد إلى الاتحاد الأوروبي ومَن انفصلوا عنه.

من الجلي أنه كان يشير إلى أوكرانيا، البلد الذي يسعى مستميتًا إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة التي انسحبت منه مؤخرًا. كان لدى ماكرون إجابات مهمة عن الأسئلة الصعبة، ولكن المشكلة الوحيدة هي أنها إجابات لا يريدها أحد. فالملك الفيلسوف الفرنسي مفكر كبير، لكنه كُتِب عليه العيش في عصر البراغماتية. فالقضايا التي تواجه أوروبا اليوم كبيرة بالتأكيد، لكن حلولها موجودة بالفعل.

تكمن مشكلة ماكرون في أن الحرب الروسية ضد أوكرانيا قد أدخلت أوروبا عصرًا جديدًا، عصرًا لا تتناسب فيه الأفكار والنظريات الكبرى مع الضرورة الملحة لإيقاف الحروب والأزمات الاقتصادية. يجب أن يكون ماكرون على دراية بهذا نظرًا إلى ما عاناه في انتخاباته التي أثارت أزمة تكاليف المعيشة وغيرها من القضايا المحلية الأخرى داخل فرنسا. لكن مع انتهاء الانتخابات، حوَّل ماكرون انتباهه إلى الخارج، وصار يقدِّم بالفعل أفكارًا عظيمة، غير مدرك أن العالم قد تغير.

على الرغم من حديث ماكرون عن تكوين «تكتل» جديد لأوروبا، فإن التكتل الذي تمتلكه أوروبا يعمل بشكل جيد بالفعل، ويبدو أن مَن يميلون إلى تغييره قليلون. بل وعلى العكس من ذلك، فإن فنلندا والسويد، اللتين تبعدان كل البعد عن التماس طريقة جديدة للتواصل مع جيرانهما، تتخليان في الواقع عن نهجهما القديم فيما يخص ربط نفسيهما بالهياكل الأمنية القائمة في القارة. ومن المتوقع أن تتخذ فنلندا والسويد قرارًا حاسمًا بالانضمام إلى الناتو في غضون أيام، الأمر الذي كان يُعتقد منذ فترة طويلة أنه غير مرجح حتى الغزو الروسي. ينطبق الأمر نفسه على حجة فرنسا طويلة الأمد لتحقيق «استقلال» أوروبي أكبر، والذي يقصد به ماكرون الاستقلال عن الولايات المتحدة. لطالما كان ماكرون المدافع الأقوى في أوروبا عن أن تكون القارة مسؤولة عن أمنها، ولا تعتمد على القوة العظمى الواقعة على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي.

لقد حطمت الحرب الروسية هذا المفهوم أيضًا. فمعظم الدول الأوروبية مقتنعة أكثر من أي وقت مضى بأن الناتو هو هيكلها الأمني المستقبلي. قد يكون من الصعب على دولة مسلحة نوويًا مثل فرنسا الاعتراف بذلك، ولكن بالنسبة للدول الأصغر الواقعة على طول الحدود الروسية، فقد صار وضعها أكثر خطورة، وتحتاج إلى الثقل العسكري لحلف الناتو المدعوم من الولايات المتحدة لتشعر بالاطمئنان. فالناتو بعيد كل البعد عن كونه «ميتًا دماغيًّا»، مثلما وصفه الرئيس الفرنسي ذات مرة؛ إذ ترى معظم دول أوروبا الآن أنه حي وضروري لبقائها حية بدورها.

هذا هو الحال، لا سيما بعد أن أثبتت الحرب بوضوح أن «الغرب القوي» — أي الولايات المتحدة وبعض من الدول الأوروبية القادرة على الدفاع عن نفسها بأسلحة متطورة وطائرات مقاتلة وروادع نووية — انتقائي للغاية بشأن من يقدم له الحماية. فرغم كل الكلمات الحانية حول كون أوكرانيا دولة أوروبية، لم يتعرض أي جندي أمريكي أو بريطاني أو فرنسي إلى الأذى للدفاع عن أوكرانيا. وهذه الرسالة وصلت إلى الدول الصغيرة الأخرى التي فهمتها جيدًا، ومن ثم فستبذل طاقاتها السياسية للانضمام إلى ذلك المجتمع القائم بالفعل، لا لإنشاء مجتمع جديد تمامًا لم تُختبَر قواعد المشاركة فيه بعد.

ينطبق الأمر نفسه أيضًا على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. فمن خلال اقتراح مجتمع جديد على مستوى أوروبا، يحاول الرئيس الفرنسي حل مشكلة دقيقة وشائكة للغاية، وهي أن أوكرانيا — كما اعترف — ربما تكون على بعد عقود من الإصلاح الكافي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. يسري هذا أيضًا على دول غرب البلقان، أو حتى تركيا، وهي الدول التي من المستبعد أن تجري الإصلاحات الكافية لدخول الاتحاد الأوروبي في السنوات القادمة.

لكن بالنسبة لتلك البلدان، فإن الاتحاد الأوروبي الأوسع ليس الحل؛ فهي تريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقد شدد المستشار الألماني أولاف شولتس، خلال لقائه مع ماكرون في برلين هذا الأسبوع، على أن «اقتراح ماكرون المثير للاهتمام» لن يغير واقع عملية انضمام البلقان للاتحاد.

ينطبق ذلك أيضًا على اقتراح ماكرون بشأن إمكانية انضمام الدول الأعضاء التي تركت الاتحاد (إشارة واضحة إلى المملكة المتحدة) إلى ذلك المجتمع الجديد. فمرة أخرى، ثمة رد بالفعل على هذا الاقتراح، وهو أن مَن ما زالوا يتوقون إلى الاتحاد الأوروبي داخل المملكة المتحدة لا يريدون بديلًا له، وإنما يريدون العودة إلى الاتحاد الأوروبي نفسه. ومَن ما زالوا يعارضون بشدة الاتحاد الأوروبي من المستبعد أن يشرعوا في الانضمام إلى اتحاد آخر أوسع.

لقد قضت حرب أوكرانيا على الأيديولوجية الأكثر تقدمًا في التفكير التي كان ماكرون يدافع عنها، وهي فكرة أن روسيا يمكن أن تكون جزءًا من البنية الأمنية لأوروبا. ففي فترة رئاسة ماكرون الأولى، بينما كانت بريطانيا متشككة بشدة من النوايا الروسية وكانت ألمانيا عالقة في علاقتها الحسنة مع روسيا، كانت فرنسا هي التي دافعت عن فكرة أن روسيا يمكن أن تؤسس علاقة جديدة مع أوروبا. لكن كل تلك الأفكار قُضي عليها في منطقة الحرب حول أوكرانيا، وحلت محلها الفكرة القديمة بأن روسيا لا تشكّل سوى تهديد، وأن وحدها القوة العسكرية هي القادرة على الحماية من ذلك التهديد الذي تفرضه موسكو.

لطالما تفاخر ماكرون بمؤهلاته الفكرية، معتقدًا أن سمات المفكرين العظماء يمكنها بناء عالم جديد، حتى دون الأموال الالمانية أو الأسلحة الأمريكية. لكن الحرب في أوكرانيا أظهرت حدود ذلك العالم الجديد، حيث الإجابات معروفة بالفعل والمجهول الوحيد هو الإرادة السياسية لتحقيقها.

 

فيصل اليافعي يعمل حاليًا على تأليف كتاب عن الشرق الأوسط، وهو مُعلِّق دائم في شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية. عمل لوكالات أنباء عديدة مثل «ذا غارديان» و«بي بي سي»، وقدم تقارير إخبارية عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.