من النهر إلى البحر، بات الفلسطينيون يشكلون حالياً الأغلبية. فما هو القادم الذي تنتظره إسرائيل؟

فيصل اليافعي

كما هو حال السياسة في كثير من الأحيان، يمكن الكشف عن زلزال سياسي من لا شئ. حيث حدث ذلك في إسرائيل في نهاية شهر مارس، عندما انفجر نقاش بسيط، تحول إلى جدل أعمق حول وجود تمزق في نسيج المجتمع الإسرائيلي. خلال النقاش بموضوع إضراب موظفي الخدمة المدنية الإسرائيليين الذين يديرون احتلال الضفة الغربية الفلسطينية. ورداً على ذلك، قال حاييم مندس، نائب رئيس منسق الأنشطة الحكومية في المناطق”كوجات”، وهو اختصار للهيئة العسكرية التي تؤمن الاحتلال، أن السبب في ذلك هو أن تل أبيب كانت تمنحهم قدراً أقل من الاموال، حتى مع تزايد عدد الفلسطينيين واليهود في الضفة الغربية. كان المستوطنون ينمون. وتقدر أرقام “كوجات” أن العدد الإجمالي في الضفة الغربية وغزة يبلغ خمسة ملايين.

إن إضافة إلى 1.8 مليون فلسطيني من مواطني إسرائيل، وهو رقم واحد  غير أنه يعتبر بمثابة زلزال سياسي ، وهو ما يعني أن عدد السكان الفلسطينيين تحت الحكم الإسرائيلي يبلغ الآن 6.8 مليون نسمة – مقابل 6.5 مليون يهودي يعيشون في اسرائيل حسبما صرح به مكتب الإحصاء الإسرائيلي مؤخرا. وبالنظر إلى أن هذه الأرقام التي لا تشمل مئات الآلاف من الفلسطينيين في القدس الشرقية، وهو رقم مختلف عليه بشكل كبير ، وهو ما يعني أن الفلسطينيين يحُكمون الآن من قبل أقلية يهودية.

و لأسباب عديدة، يمثل حكم الأقلية أمرا مثير للجدل على نحو كبير في إسرائيل. إذ أن هناك اعتقاد وجودي لا يزال قوياً في أجزاء من المجتمع الإسرائيلي ، مفاده بأن على اليهود أن يحموا أنفسهم لكن لا يهيمنون على الآخرين. ثم أنه هناك قلق حول نوع المجتمع الذي ستكون عليه دولة تحكمها الأقلية. وكذلك هناك العزلة الدولية التي ستستمر بمجرد أن يثبت على نطاق واسع بأن الفلسطينيين هم الأغلبية. في نهاية المطاف ، فإن الأرقام مهمة: ففي حالة بقاء الفلسطينيون أقلية ، فقد يمكن أن تصبح إسرائيل ديمقراطية كاملة. أما إذا كانوا هم من يشكلون الأغلبية ، فإن الديمقراطية الحقيقية لا تتوافق مع دولة يهودية. إن الطابع المستقبلي لإسرائيل ، والعدالة للفلسطينيين ، وكيفية تعامل المجتمع الدولي مع هذا البلد، كل ذلك بمثابة أرقام.

وبالتالي ، قد لا نتفاجئ أن يكون رد الفعل الفوري هو البحث عن طرق لفضح الأرقام، خاصة من الجناح اليميني للسياسة الإسرائيلية المهمين عليها حاليا. وقد صرح قادة المستوطنين إن الأرقام خاطئة، موجهين اللوم لسبب ما للفلسطينيين على الخطأ. ولكن حتى عندما تحذر شخصية بارزة مثل تسيبي ليفني ، وزيرة الخارجية المتطرفة خلال حرب عام 2008 على غزة ، من أن الإسرائيليين يجب أن “يستيقظوا من أوهام الضم” ، فمن الواضح أن هناك حاجة باتت تدعو إلى إحداث التغيير.

لقد سادت الديموغرافيا في قلب المشروع الإسرائيلي ، حتى قبل تأسيس الدولة. وذلك هو السبب في وجود “قانون العودة” للشعب اليهودي من أي مكان في العالم لمن يرغب في الاستقرار في إسرائيل ، ولكن ما هو سبب رفض “حق العودة” للفلسطينيين الذين يُجبرون على مغادرة منازل أجدادهم.

تكمن العوائق في صعوبة الحصول على الإحصاءات المحايدة. إذ يعتبر الباحثون من الجانبين متهمين بالتحيز ، وذلك بتضخيم أعداد أفراد مجتمعهم المفضل. هذا هو السبب في أن اعتراف كوجات كان معبرا على هذا النحو حيث بدا وكأنه لحظة غير متوقعة من الحقيقة.

وحقيقة أن التكافؤ الديموغرافي سيصبح ثمة حقيقة واقعية ، إذا لم يكن الأمر كذلك بالفعل – سواء تم قبولها من قبل القادة الإسرائيليين أم لا، وما إذا كانت المحاسبة الإبداعية تبقيها وضعا مؤقتاً لبضعة أشهر أخرى أو عدة سنوات أخرى. عاجلاً أم آجلاً ، فإن الدليل على أن اليهود في إسرائيل هم بمثابة أقلية حاكمة على أغلبية غير يهودية سوف تصبح لها الاغلبية. ثم ماذا؟

إن التصدي لتحديات حكم الأقلية في إسرائيل سيتطلب تغيير القيادة السياسية – والوعي السياسي.

بالنسبة للقيادة السياسية الحالية، فإن التعامل مع حكم الأقلية أمر لا يمكن تخيله حرفياً. حيث أسس بنيامين نتنياهو مسيرته السياسية عبر السعي لتخويف الإسرائيليين من “الآخرين” المرعبين – الفلسطينيون، الإسلام الراديكالي، إيران، أي شبح كان متاحاً في متناول اليد – ومن ثم تظاهره بأنه منقذهم. لقد اعتقد الكثيرون أن ذلك يطرح التساؤل بسذاجة. إن القوميين المتطرفين الذين تودد إليهم نتنياهو، هم الآن في خطر اغتصاب السلطة منه، مما يجر البلاد إلى اليمين. على نحو كبير.

وللانتقال من هذا المشهد بأن إسرائيل التي تحيط بها الأخطار، إلى مشهد أخر حيث تبدأ فيه إسرائيل بالتعامل مع التزاماتها بموجب القانون الدولي، يتطلب إحداث قفزة سياسية – مما يعني في الواقع تغييراً سياسياً. وبطريقة ما، يجب أن يظهر للعيان حوار جديد داخل السياسة الإسرائيلية.

ومن أجل التصدي الحقيقي لتحديات حكم الأقلية، سيتطلب ذلك تغيير الوعي السياسي. إذ لا يزال الإسرائيليون ينظرون إلى التاريخ الفلسطيني على أنه شيء خطير ومدمر، بدلاً من الاعتراف بروابطهم المشتركة بالأرض. وفقط من خلال رؤية تاريخ تلك المنطقة المتنازع عليها من حيث “المطالبات” ، والتي يجب أن ينتصر أحدهما ، لقد أغلق الإسرائيليين والفلسطينيين مسار التسوية وأقحموا أنفسهم في نفق حرب لا نهاية له.

ولربما يكون النهج الأفضل هو التركيز على الديموغرافيا بشكل أقل وعلى العدالة بشكل أكثر؛  وبصورة أقل على مجموعة عرقية واحدة تمتلك السلطة وبشكل أكثر على إنشاء دولة أو دول لجميع المجموعات التي تنادي بحقها بدولة في المنطقة بمثابة المأوى لها. فالعرب واليهود ليسوا وحدهم الشعوب الوحيدة التي تعيش بين النهر والبحر، ولا الوحيدين الذين لديهم روابط تاريخية بالأرض.

لقد مر وقت سيادة الأغلبية اليهودية في إسرائيل. وقد يستغرق الأمر شهور  أو سنوات كي يتمكن السياسيون في البلاد من اللحاق لإدراك ذلك. لكن يتوجب عليهم   أو على جيل جديد  أن يفعلوا ذلك. وفي نهاية المطاف ، يحتاج كل من الإسرائيليون والفلسطينيون إلى بزوغ رؤية جديدة، لا تستند إلى أحلام الماضي ، بل ترتكز على الأعداد الصعبة للحاضر.

AFP PHOTO/GIL COHEN-MAGEN