اكتشاف الغاز وتغير قواعد اللعبة قد يصاحبه تحول الاقتصاد في جنوب إفريقيا – ولكن ما ثمن ذلك التغيير؟

سيمون أليسون

AFP photo/Rodger Bosch

عشية خطابه عن حالة الأمة في الشهر الماضي، تلقى رئيس جنوب أفريقيا “سيريل رامافوزا”، بعض الأخبار السارة: وقال “سيريل” في خطابة، والابتسامة بالكاد تعلو وجه، “تلقيت الليلة الماضية مكالمة من الوزير جويدي مانتاشي”، وخلالها أخبرني الوزير أن شركة النفط العملاقة “توتال” ستصدر بيانًا هامًا اليوم عن اكتشاف عالمي جديد للنفط والغاز قبالة سواحل جنوب أفريقيا.

حتى الآن، كان عام 2019 عامًا صعبا على “رامافوزا”. وتكشف لجان التحقيق المتعددة عن استفحال الفساد في عهد رئيس البلاد الأسبق “جاكوب زوما”، وكان “رامافوزا” في أواخر تلك الفترة نائبًا للرئيس، حيث عانى الاقتصاد من الركود، وشهدت شركات مملوكة للدولة أمثال شركة “إيسكوم” و”خطوط جنوب أفريقيا الجوية” سنوات من سوء الإدارة المالية، مما جعل الشركتان على حافة الانهيار. إن المتاعب التي ألمت بشركة “إيسكوم” على وجه الخصوص مازالت حرفيًا تلقي بظلالها القاتمة على البلاد، فقد تم تطبيق أسلوب “القطع المتناوب للكهرباء” والذي يٌعرف بـأسلوب “تخفيف الأحمال” بسبب فشل محطات الطاقة الكهربية في مسعاها لتوفير المطلوب من الطاقة الكهربية.

ومع اقتراب موعد الانتخابات في شهر أيار/مايو، كان بوسع الرئيس استخدام الحافز المفاجئ – وهو بالتحديد اكتشاف الغاز على بعد 275 كيلومتراً قبالة الساحل الجنوبي لجنوب أفريقيا، وبإمكان هذا الاكتشاف أن يغير من حظوظ البلاد وثرواتها، وكما قال “رامافوزا”، “قد يكون هذا الاكتشاف مغيراً للعبة”.

وتقول “توتال”، شركة الطاقة الفرنسية، إن اكتشاف الغاز في حقل “برولبادا” التابع لها يمكن أن ينتج ما يصل إلى مليار برميل مكافئ من “الغاز الرطب”، أي الغاز الطبيعي الذي يحتوي على كمية صغيرة من النفط. ووفقا لتقديرات متفائلة، قد تبلغ قيمة هذا الإنتاج تريليون دولار. وتحصل الخزينة العامة لدولة جنوب أفريقيًا مباشرة على جزء كبير من تلك العائدات في شكل ضريبة شركات نسبتها “28%”، وضريبة الهيدروكربون نسبتها “5%”.

ومن ثم، فإن تفاؤل “رامافوزا” في محله. علاوة على ذلك، تمتلك جنوب أفريقيا، دون غيرها من دول المنطقة، وضعًا جيدًا يسمح لها بتفادي “لعنة الموارد” التي غالباً ما ترتبط بالاكتشافات الهيدروكربونية الرئيسية. وفشلت دولة “أنجولا” في تحويل احتياطياتها النفطية الهائلة إلى مشروعات تنموية حقيقية لصالح شعبها، وفي دولة “موزمبيق” المجاورة، أهدرت الحكومة فعليًا الكثير من عائدات الغاز الطبيعي الذي اكتشفته مؤخرًا وذلك عن طريق الاستدانه بدون جدوى – حتى قبل أن يبدأ إنتاج الغاز. وهناك أمثلة أخرى على هذه اللعنة. ورغم هذا، فإن جنوب إفريقيا ليست حديثة العهد بالصناعات الاستخراجية، ذلك أنها شيدت اقتصادها على التنقيب عن الذهب والبلاتين، وهناك بالفعل إطار تنظيمي شامل، وتشريع جديد – في شكل قانون تنمية الموارد المعدنية البترولية – يتم إعداده خصيصا لتلبية احتياجات الصناعة النفطية.

علاوة على ذلك، ولأن الغاز يبدو، في الوقت الحالي، مخصصًا للاستهلاك المحلي، فإنه سيساعد في موازنة العجز في الحساب الجاري في جنوب إفريقيا، وبالتالي دعم عملة البلاد وهي “الراند” .

وتمتلك البلاد بالفعل القدرة التكريرية لمعاجلة الكميات اللازمة من الغاز الطبيعي. وفي العام 1992، افتتحت شركة “بيتروسا”، شركة النفط الوطنية، أول مصفاة في العالم لإسالة الغاز، وماتزال هذه المصفاة مجرد واحدة من خمسة مصفات من هذا النوع في العالم. وفقا للشركة “بيتروسا”، تستطيع الشركة إنتاج ما يعادل 45،000 برميل من النفط الخام يوميا، رغم أن موقع المصفاة قد لا يلائم بشكل كبير هذا القدر من الإنتاج: حيث تقع المصفاة في خليج “موسيل”، وهي المدينة الأقرب إلى حقل “برولبادا”.

ومع ذلك، ولأن اكتشاف الغاز كان في البحر، حيث المياه العميقة في رقعة غائرة من المحيط، فقد يستغرق الأمر عقدًا قبل البدء بجدية في عملية الإنتاج. لكن هذا لا يعني أن “رامافوزا” لا يمكنه جني فوائد هذا الاكتشاف على الفور. إذ قالت هارييت أوكوي، استشارية الطاقة، لصحيفة “أفريكا ريبورت”، وهي مجلة شهرية تتخذ من فرنسا مقراً لها، أن السلطات قد ترى [هذا الاكتشاف] تعزيزًا لنفوذها. وتقول “هارييت” أيضًا، إنه من الممكن استخدام التشريع الجديد الجاري تطبيقه لزيادة الضرائب على جميع شركات الهيدروكربونات.

وحتى الآن، فالوضع جيد جدًا “لرامافوزا” وإدارته المثقلة بالمشاكل. لكن ليس الجميع على اقتناع بأن في اكتشاف الغاز المصالح طويلة الأجل لجنوب أفريقيا – أو العالم. وتستنكر منظمة السلام الأخضر “غرينبيس” وبشدة تنقيب شركة “توتال” بشكل طائش عن الغاز قبالة سواحل جنوب أفريقيا، حيث أنه لا يمكن الاحتفال باكتشاف المزيد من النفط والغاز إذا كان حرق الوقود الحفري قد يؤدي إلى تغير كارثي في المناخ. وقال دعاة حماية البيئة في بيان لهم، “هذا في الأساس هو النفط الذي لا يسعنا حرقه لمواجهة الظروف الجوية القاسية والجفاف المتكرر.”

وهناك رأي لمنظمة السلام الأخضر “غرينبيس”، وهو أن تأثير التغير المناخي بات ملموسا بالفعل في جنوب أفريقيا، في شكل موجات جفاف شديدة ومواسم حصاد إنتاجها أقل من المتوسط، ورغم هذا، لم تفعل جنوب أفريقيا سوى القليل جدًا للحد من الانبعاثات. وفي الواقع، تحتل جنوب أفريقيا المركز الرابع عشر عالميًا من حيث مصدر الانبعاثات الكربونية. وتشير إحدى سياسة الطاقة الجديدة، وهي خطة الموارد المتكاملة، إلى أن جنوب إفريقيا سوف تخفض من أنشطتها التي تساعد على زيادة انبعاث غاز الكربون من خلال زيادة مساهمات الطاقة المتجددة والغاز في خليط الطاقة لديها. ورغم أن السياسة الجديدة تم صياغتها قبل اكتشاف حقل “برولبادا”، يبقى الخوف الآن من أن الإمداد الغزير نسبيا من الغاز الرخيص سيجعل مصادر الطاقة المتجددة غير جذابة في الأجلين القصير والمتوسط.

والأكثر من ذلك، هو أنه مع الوصول بالغاز إلى مرحلة الإنتاج الكامل، فربما قد يكون العالم قد ابتعد كثيرًا عن المنتجات الهيدروكربونية لتلبية الكثير من احتياجاته، ولن يظل الغاز والنفط بنفس الأهمية التي عليها اليوم. وبعد ذلك، ستعاني جنوب أفريقيا من أن بنيتها التحتية لاستغلال الطاقة لم يعد صالحًا لهذا العصر، وبان العالم اصبح يرفض هذا المورد  بشكل متزايد.

ومنذ عقد مضى، كان لهذا الاحتفاء باكتشاف ما يصل إلى مليار برميل من الهيدروكربون قبالة سواحل جنوب أفريقيا أن يتم بدون قيد أو شرط. ولكن بالنظر إلى ما نعرفه الآن عن تأثير الوقود الحفري على بيئتنا، فإن تكلفة استغلال هذا الوقود قد تفوق في النهاية فوائده المباشرة للرئيس “رامافوزا” وإدارته المثقلة بالمشاكل. ومن غير المفترض أن مثل هذا الأمر سيقف عقبة أمام الرئيس “رامافوزا”.