برامج الهجرة في ألمانيا وإيطاليا هي مجرد وسائل لإخفاء الحقائق المزعجة

فيصل اليافعي

AFP Photo: Andreas Solaro

في اليوم نفسه من هذا الأسبوع، قدمت ألمانيا وإيطاليا مقترحان منفصلان حول كيفية التعامل مع أزمة الهجرة المستمرة في أوروبا.

حيث طالب وزير خارجية ألمانيا، هايكو ماس، الدول الكبرى بالاتحاد الأوروبي إلى الموافقة على نظام الحصص “الملزمة”، على أن تتوافق الدول فيما بينها على عدد المهاجرين الذين تستوعبهم تلك البلدان، ويتم احتساب العدد وفقًا للتعداد السكاني في كل دولة، وإجمالي الناتج المحلي لها.

وتلك هي الطريقة التي كان من المفترض تطبيقها مع خطة الحصص التي اقترحها الاتحاد الأوربي في وقت سابق، وواجهت الخطة الحالية نفس انتقادات الخطة المقترحة في العام 2016. إذ رأت كلٌ من إيطاليا والنمسا، بالإضافة إلى دول أخرى، أن الخطة اعتمدت بالكامل على طالبي اللجوء والمهاجرين الذين يصلون إلى الأراضي الأوروبية – حيث إيطاليا أو اليونان محطة الوصول الأولى – وبالتالي لا تقدم الخطة حلاً لمشكلة الأشخاص الذين يحاولون عبور البحر المتوسط المحفوف بالمخاطر.

ومن ناحية أخرى، تتمثل خطة إيطاليا في النظر في طلبات المهاجرين أو طلبات اللجوء خارج الاتحاد الأوروبي في شمال إفريقيا، ومن ثم يتم نقل كل من حصل على صفة لاجئ إلى أوروبا. وتشكل هذه الخطة أيضًا نسخة أخرى من مقترح سابق.

وتسعى كلٌ من إيطاليا وألمانيا إلى تطبيق نفس الخطة: وهي هجرة مرتبة ومنظمة إلى أوروبا وفقًا لقواعد التوزيع على الكتلة الأوروبية. ولكن في خضم أزمة المهاجرين المستمرة والتي كشفت عن وجود تبيان في القيم الأوروبية والتي كان يُعتقد أنها قيم مشتركة، فإن استرجاع الخطط التي سبق رفضها تُظهر ببساطة عدم قدرة الدول الأوروبية أو عدم استعدادها لمواجهة بعض الحقائق المزعجة بشأن مسألة الهجرة.

وأولى هذه الحقائق هي أن بعض الدول الأوروبية لا تريد أن تستقبل مهاجرين غير مسيحيين، وهو الأمر الذي يتعارض مع كلٍ من قانون الاتحاد الأوروبي ومبادئ اللجوء الراسخة. والخطة ألمانيا هي نسخة ركيكة من محاولة سابقة لإنشاء خطة الحصص على مستوى الاتحاد الأوروبي. ورغم أنه الخطة حظت بتأييد المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” في أوج أزمة المهاجرين في العام 2015، فإنها نالت معارضة شديدة من بولندا والمجر وجمهورية التشيك وسلوفاكيا – وتُعرف تلك الدول مجتمعة بمجموعة “فيشغراد”. وفي الوقت نفسه، صرحت اثنتان من الدول، وهما المجر وسلوفاكيا، صراحةً بأنهما لا يريدان سوى اللاجئين المسيحيين، في حين أن شكوك “بولندا” من “المخاوف الأمنية” لم تنطلي على أحد. وأظهرت تلك الدول معارضة شرسة للهجرة لدرجة أن المفوضية الأوروبية انتهت بمقاضاة تلك الدول في محكمة العدل الأوروبية لرفضها قبول طالبي اللجوء. ولا تزال جلسات الاستماع مستمرة، لكن ألمانيا تخلت في نهاية العام الماضي وبهدوء عن مطلبها الخاص بالحصص الإلزامية.وكشفت هذه الحادثة عن فجوة ثقافية بين أوروبا الغربية والشرقية: فبينما ترحب حكومات أوروبا الغربية (على نطاق واسع) بالهجرة، وتدرك فوائدها الاقتصادية، فإن الأوروبيين الشرقيين أكثر قلقًا بشأن التغيير الاجتماعي والثقافي، ويرغبون في المحافظة على الهوية المسيحية التي تشكل أغلبية المجتمع. وفي ظل حكم الحكومات اليمينية في دول “فيشغراد”، والتي يدعمها معظم الرأي العام، فيبدو أن بروكسل تقبلت أنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق على مستوى الاتحاد الأوروبي.وبدلاً من المواجهة مع مجموعة “فيشغراد”، والكشف عن عمق الانقسام بين الدول الأوروبية، تحاول ألمانيا و”تحالف الراغبين” الذي اقترحته إحياء خطة الحصص الخاصة بها على أساس الحاجة، وهو ما يرفع الضغط عن بلدان جنوب أوروبا الواقعة على خط المواجهة مع الهجرة دون الحاجة إلى صياغة اتفاق سياسي.والحقيقة الثانية المزعجة هي أن المهاجرين أيضًا يفضلون بعض الدول على الأخرى، ويرون أنها أكثر جاذبية من غيرها. ووفقًا لنظام دبلن، والذي دخل حيز التنفيذ في الاتحاد الأوروبي في عام 2014، يجب على أي شخص يرغب في طلب اللجوء أن يقدم هذا الطلب إلى أول دولة آمنة يصل إليها، حتى وإن كان عازمًا على الذهاب إلى بلدٍ آخر. وبالنسبة لبعض الأوروبيين، فإن فكرة أن اللاجئين يريدون المساعدة وسبل الحصول عليها – وهو ما يُعرف بـ”المفاضلة بين الأماكن المانحة للجوء ” – وهي ببساطة فكرة شائنة. ومع ذلك، يقطع المهاجرون مسافات غير عادية للوصول إلى البلدان التي يفضلونها، حيث يذهبون إلى اليونان أو إيطاليا، ثم يقطعون القارة بطولها لطلب اللجوء في السويد أو ألمانيا بدلاً من أي من دول الاتحاد الأوروبي التي يمرون عليها. ولجأ بعض طالبي اللجوء إلى حرق بصمات أصابعهم حتى لا يكون لهم أثر في أي قاعدة بيانات.إن هذا التفضيل الصريح لا يتعلق فقط باللغة (إذ يفضل المهاجرون الذين يتحدثون الفرنسية أو الإنجليزية الذهاب إلى الدولة التي يسود فيها تلك اللغة) أو المجتمع (مفضلين البلدان التي يشكل مواطنيها الكثافة السكانية الأكبر) أو الاقتصاد (حيث من السهولة بمكان الحصول على وظيفة في اقتصاد مزدهر مثل ألمانيا مقارنة بسلوفاكيا)، ولكنه نتيجة الفوضى التي صنعها الاتحاد الأوروبي بنفسه. وتشير إحصائيات الاتحاد الأوروبي الخاصة إلى أن القرارات المتعلقة بالوضع القانوني للاجئين تختلف اختلافًا كبيرًا عبر دول الاتحاد الأوربي: ففي الربع الأول من هذا العام، على سبيل المثال، رفضت المملكة المتحدة 50 في المائة من طالبي الهجرة، بينما رفضت إيطاليا 82 في المائة، على الرغم من أن تفاوت النسب يمكن تفسيره جزئيًا بسبب الطريقة التي تصنف بها الدول طالبي اللجوء مقارنة بالمهاجرين

الاقتصاديين.ويسعى المقترح الإيطالي إلى إنهاء كل هذا التفاوت، حيث يتم النظر في طلبات المهاجرين خارج الاتحاد الأوروبي، ومن ثم نقلهم إلى البلد الذي يقبلهم فقط. وحينئذ، يتم “إرسال” المهاجر إلى بلد محدد، ولن يتمكن من القيام برحلة إلى أي دولة أخرى.ولا يرحب السياسيون والشعب بفكرة أن المهاجرين قد يكون لديهم تفضيلات. ورغم كل هذا، أليس من الضروري تأمين ملاذ آمن للاجئين؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، أليس من الواجب فعل ذلك؟. ويثير مفهوم المهاجرين الذين يعبرون عن التفضيلات آراء قاسية عن طالبي اللجوء، ومنها؛ هل يجب أن يكونوا ممتنين للملاذ الآمن حيثما وجدوه، أم هل ينبغي لهم أن يكونوا قادرين على اختيار من يقدم لهم السلامة والضيافة؟إنها أسئلة ليست بالسهلة، ونادراً ما يتم مناقشتها في الأماكن العامة. غير أن الحركة الجماهيرية من بلدان جنوب أوروبا الآمنة، حيث المهاجرون عازمون على الوصول إلى المملكة المتحدة أو ألمانيا، تكشف عن وجود مثل تلك التساؤلات. كما أن الخطة الإيطالية للنظر في طلبات اللجوء بعيداً عن شواطئ أوروبا من شأنها أن تنهي تلك الأسئلة.ولم يتضح بعد أي الخطط ستكسب الزخم داخل الاتحاد الأوروبي. وهناك الكثير في أوروبا ممن يفضلون إيقاف أي شكل من أشكال الهجرة، سواء المنظمة أو خلافه. وسيهيمن موضوع الهجرة على الدورة القادمة للبرلمان الأوروبي – ليس فقط لبحث كيفية حل أزمة الهجرة، ولكن أيضًا كيفية الإبقاء على سرية الانقسامات داخل أوروبا نفسها.

يؤلف “فيصل اليافعي” حاليًا كتابا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم على شبكات الأخبار التلفزيونية العالمية. عمل “فيصل” لدى وكالات أنباء مثل “الجارديان” و”بي بي سي”، وأعد تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.