المستشارة الالمانية آنجيلا ميركل وميراثها في منطقة الشرق الأوسط

فيصل اليافعي

كان الإعلان عن رحيل أول مستشارة لألمانيا عابرًا وغير متوقعًا تمامًا مثل مجيئها للحُكم منذ 13 عامًا، وخلال خطبة مختصرة قامت بإلقائها نهاية الشهر الماضي، أعلنت آنجيلا ميركل أنها لن تسعى لإعادة انتخابها كمستشارة لألمانيا، وأنها ستتنحّى عن زعامة حزبها الشهر القادم، والواقع أن حقبة “موتي Muttiميركل (لقب يطلق في ألمانيا على الأم وتشتهر به ميركل)، تلك الحقبة أتت إلى نهايتها بشكل هادئ وبدون ضجيج.

وتحديد الإرث الداخلي الخاص بميركل ليس بالأمر السهل، لأن تلك العملية مرتبطة عاطفيًا باستجابات ميركل للأزمات الرئيسية التي واجهت أوروبا، وأيضًا فإن تحديد الإرث الخاص بميركل في منطقة الشرق الأوسط هو أمر صعب، وذلك لأنها لم تكُن تظهر إلى الأضواء كثيرًا فيما يخُص السياسة الخارجية.

لكن هناك جانبًا خاصًا يجب أن يكون جزءًا من النقاشين، ألا وهو قرار آنجيلا ميركل، وخلال ذروة أزمة المهاجرين في العام 2015؛ بفتح حدود بلادها، وسمحت لأكثر من مليون شخص بطلب اللجوء إلى ألمانيا.

وهذا القرار كانت له تداعيات ضخمة على المستويين الداخلي والدولي، وقد أجبر القرار كل دولة أوروبية على تحمُل المسؤولية فيما يتعلّق بالاستجابة لتلك الأزمة، كما أن القرار كان له تأثير كبير على العامة الذين كانوا في الأصل يشعرون بخيبة أمل من أداء مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وأيضًا فإن قرار ميركل كانت له تداعيات طالت منطقة الشرق الأوسط برمتها، وتم فتح نقاش حول عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الشرق الأوسط، تبعه نقاش آخر حول حجم المساعدات التي قدمتها الدول الغربية لدول الشرق الأوسط التي استضافت الأغلبية العُظمى من اللاجئين.

لكن الجدير بالملاحظة هو ما لم تقُم ميركل بإتمامه، فهذا القرار المحوري، سيظل محور نقاشات المؤرخين في كل من الشرق الأوسط والقارة الأوروبية، وهذا القرار لم يؤدي إلى تثبيت وضع ميركل كقائد كبير، وقد أقدمت ميركل بالفعل على أحد أصعب القرارات خلال فترة حكمها، لزيادة عدد مناصريها، ويجب على المؤرخين في المستقبل أن يبحثوا جديًا عن مجموعة من السياسات التي قامت بتشكيل ظاهرة “الميركياليزم”، والمستشارة لم تثبت أن لديها رؤية كبيرة فيما يخُص السياسات الألمانية سواء على المستوى الداخلي أو الدولي، وكان منصبها أشبه بالمدير، وبحسب وصف أحد كُتّاب السيرة الذاتية فإن رد ميركل على كل مشكلة كان يتمثًل في تركها حتى تتبدّل الظروف.

والجدير بالملاحظة هو ما يخُص الربيع العربي، فقد أقدمت ميركل على القرار المحوري الأوحد الذي لم يقُم به أيًا من قادة الدول الغربية، ولم يقُم أحد من قادة الغرب بالإقدام على قرار مماثلباستثناء قرار باراك أوباما الخاص برفض  استخدام الأسلحة الكيميائية على الأراضي السورية، وهذا الموقف على أي حال قد صدر عن شخص سياسي نادرًا ما يتخذ موقفًا في الداخل او في الخارج الا بعد ان تهدا الرياح السياسية، ولم تقُم ميركل بالتعليق على ثورات الربيع العربي إلا بعد الإطاحة بالرئيس المصري حسني مبارك، ورفضت ميركل المشاركة في العملية التي قام بها حلف شمال الأطلنطي (ناتو) على الأراضي الليبية، وعلى الرغم من أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بات يتمتّع بشعبية قليلة في ألمانيا، إلا أن ميركل قليلًا ما قامت بانتقاده تجاه التصرفات التي قام بها فيما يخُص الأزمة السورية.

وعلى أي حال فإن ميركل خلال أزمة المهاجرين أظهرت المعنى الحقيقي للقيادة، في مواجهة المعارضة الداخلية، وقد أدركت أن حجم تلك الأزمة (أكبر أزمة للمهاجرين تواجه أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية)، تستدعي ردة فعل أشمل من قرارات الحياة السياسية اليومية، والآن فإن ميركل نادرًا ما تتحدّث عن تلك الأزمة بصوت مرتفع، وهذا القرار الذي يعُد تاريخيًا فيما يخُص تداعياته لا يُرى كدليل على قوة القيادة، وبطريقة أو بأخرى، فعندما تحين لحظة اتخاذ القرار فإن ميركل قليلا ما تجد من يناصرها.

والإجابة تكمن في أوروبا والشرق الأوسط، وذلك أن ميركل لم تجد مشكلة قلة المناصرين في أوروبا فقط، بل أنها وجدت ذات المشكلة في الشرق الأوسط، والانقسامات التي ضربت منطقة الشرق الأوسط جعلت من الصعب على دول الشرق الأوسط دعم أي قرار خاص بأزمة اللاجئين، أو حتى اقتراح حل ما لتلك الأزمة، وخلال أزمة المهاجرين، مثلها مثل الكثير من القضايا الأخرى، لم يكُن هناك إجماعًا عربيًا، ولا مجموعة من السياسات يمكن لدول المنطقة أن تجتمع حولها.

ولا يمكن لميركل أو ألمانيا أن تصل لمثل هذا الحل، ورغم أن ميركل وبعد صعود دونالد ترامب إلى  سدة الحُكم في الولايات المتحدة قد اكتسبت لقب الزعيم الجديد للعالم الحر، فإن ميركل قليلًا ما تصرّفت وفقًا لهذا اللقب، وقد كانت قائدًا لألمانيا وليس القارة الأوروبية، وهذا يعود لأسباب سياسية أولًا، وألمانيا لا تملك الثقل العسكري الذي يؤهلها لقيادة أوروبا، ولها من التجارب التاريخية ما يمنعها من القيام بذلك.

لكن هناك أيضًا جانبًا شخصيًا، ومنذ سنوات عديدة مضت، وتحديدًا خلال الأزمة الاقتصادية التي حدثت منذ 10 سنوات، فقد تم توجيه انتقادات لميركل كونها لم تضع خطة طموحة لمستقبل ألمانيا، وكذا لأنها اتبعت أسلوب الإدارة الروتيني في دولة تعُد القوة الرئيسية بالقارة الأوروبية، وبعد سنوات طويلة من التقليل من قدر ألمانيا، وخلال أزمة المهاجرين، فقد بالغت ميركل في تقدير قوة ألمانيا وقوتها الشخصية.

ولو أن قائدًا أمريكيًا قد أقدم على تلك الخطوة الجريئة، من الممكن حينها إعادة تحديد الطريقة التي تم بها تناول تلك الأزمة، ونقل تلك الأزمة من مصاف أزمة تواجه دول محددة، كي تصبح أزمة ذات أهمية تاريخية، ومن الممكن أن نتصور أن هناك خطة كبيرة يوافق عليها دول الشرق الأوسط، مثل الخطة التي تم وضعها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومن السهل أن نتصور تاريخًا بديلًا يجعل أزمة المهاجرين بمثابة رابط بين أوروبا والشرق الأوسط، بدلًا من أن تصبح تلك الأزمة سببًا للمزيد من الانقسامات هنا أو هناك.

لكن هذا لم يحدث، وجزء ممن السبب يعود إلى ميركل ذاتها، وقد لاحظ وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر أن القدر جعل ألمانيا دومًا دولة ذات شان في أوروبا، الا انها لا تؤثر على العالم، وخلال أزمة المهاجرين، واثناء الفترة التي يمكن لميركل ان تثبت حنكتها السياسية على النطاق العالمي، فقد أثبتت آنجيلا ميركل أنها لا يمكنها قيادة العالم الغربي.

AFP PHOTO/KHALIL MAZRAAWI