على بايدن ان يضع تعافي الاقتصاد العالمي على راس اجندته التي تحمل شعار ” أمريكا قد عادت”.

أفشين مولافي

AFP photo: Brendan Smialowski

قال الملاكم الأمريكي الشهير “مايك تايسون” ذات مرة مازحًا: “لكل شخصٍ خطة”، “إلى أن يتلقى اللكمات في وجهه”. لقد كانت جائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” لكمة شديدة لعالمنا، إذ أودت بحياة ما يقرب من 2 مليون نسمة، وتسببت في فقدان حوالى “500” مليون شخص لوظائفهم، ناهيك عن أرقام صادمة من ارتفاع معدلات الفقر، وإفلاس الشركات، والاضطرابات الاجتماعية. لقد كانت لكمة شديدة.

ومن خلال تعاملنا مع تلك اللكمة، سيكون شكل العالم للجيل القادم وما بعده. وعند حدوث أزمات مثل هذه، يجب أن تبذل القوى الرائدة في العالم مزيدًا من الجهد، ولو نسبيًا، لأن العالم في حاجة الى تلك الجهود ولأنهم سيكون لمصلحتهم القيام بذلك.

وفي أحيان كثيرة، يقول الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن إن “أمريكا عادت”. وأضاف قائلاً “لقد أصبحنا في مقدمة الأمم مرة أخرى”، و”العالم تسوده الفوضى”. وهكذا عادت الولايات المتحدة إلى الساحة الدولية ليست كقوة عظمى شعارها “أمريكا أولاً”، وتتحكم في التعريفات الجمركية، وتمارس التهديدات، وتعطل القوانين وتعيق عمل المؤسسات الراسخة، ولكن كشريك متعدد الأطراف عازم على إعادة بناء التحالفات.

وقال “بايدن” إنه يخطط لإعادة الولايات المتحدة إلى اتفاق باريس للمناخ في أول يوم له في منصبه، وعقد اجتماع مناخي مع رؤساء الدول في أول 100 يوم له. وفي حين أن هذا النوع من الحديث يهدئ بالتأكيد الأعصاب المحطمة في بروكسل وبرلين وباريس، فإنه يفشل في معالجة المشكلة الأكبر – والوجودية بحسب زعمنا- التي تواجه عالمنا اليوم، وهي: المذبحة الاقتصادية العالمية عقب ظهور جائحة فيروس كورونا “كوفيد-19″.

وكثيراً ما أعرب العديد من كبار مستشاري السياسة الخارجية لـ”بايدن” عن أسفهم بسبب فقدان أمريكا لمكانتها بين دول العالم. وبرزت تلك المكانة المفقودة أكثر ما برزت في صالونات باريس وقاعات المؤتمرات في دافوس. وبخصوص حوالى “85%” من السكان الذين يعيشون خارج العالم الغربي، وحياة النخبة، فليس أمامهم سوى القليل من الوقت للبكاء على مكانة أمريكا المفقودة. فهم منهمكون لكسب لقمة العيش في عالمنا شديد الاضطراب سريع الخطى. وموقفهم هو: “إذا كان بإمكان أمريكا المساعدة، فهذا عظيم، وإلا، فهل لك أن تتركني وشأني حتى أتمكن من إطعام أسرتي؟”.

لقد مزقت جائحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” حياة الجميع، وبالأخص تلك المعاناة الشديدة التي شهدها العالم النامي. ووفقًا لتقديرات البنك الدولي، هناك ما بين 88 و114 مليون شخص قد وقعوا في براثن الفقر المدقع نتيجة للوباء – وهو أول ارتفاع في أرقام الفقر المدقع منذ عام 1990. ويحذر البنك الدولي أيضًا من “عقد ضائع” قادم حيث تنخفض أرقام توقعات النمو في ظل “تداعيات” الجائحة – ومنها الإنتاجية المفقودة، وإفلاس الشركات، وارتفاع مستويات الديون، وتناقص القواعد الضريبية – التي ضربت اقتصاديات العالم بأسره.

ولإثبات أن “أمريكا عادت” حقًا، يجب أن يتولى بايدن قيادة العالم للتعافي اقتصاديًا بعد انتهاء الجائحة. وبالفعل، تحتاج الولايات المتحدة إلى كثير من التعافي، وهناك خطة تحفيز قيد التنفيذ بقيمة “2” تريليون دولار، ولكن التركيز الملحوظ على تعافي الولايات المتحدة يذكرنا بـخطة “أمريكا أولاً”، بدلاً من خطة “أمريكا عادت”.

ويحتاج العالم بشدة إلى مبادرة متعددة الأطراف لتحسين الاقتصاد العالمي، ومن هنا تكون القيادة للولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك، من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الولايات المتحدة قد تكون في طليعة الأمم، كما يقول “بايدن”، لكنها ليست الوحيدة. وبالنظر إلى المبالغ المخصصة للمساعدة في دعم التنمية لعام 2019، نجد أن الولايات المتحدة في المرتبة الثانية على مستوى العالم بعد الصين. وبالنظر إلى أكبر عشر “10” دول مانحة للمساعدات في العام الماضي، نجد أن “7” سبع منها من حلفاء الولايات المتحدة المقربين (باستثناء الصين). وتضم تلك القائمة ألمانيا والمملكة المتحدة واليابان وفرنسا، فضلاً عن المفاجأة، وهي الإمارات العربية المتحدة – باعتبارها سابع أكبر مانح في العالم، وأكبر مانح للفرد على مستوى العالم. وتحتل دولة الإمارات العربية المتحدة أيضًا الريادة في مجال الإغاثة لمواجهة جائحة كورونا، حيث قدمت شحنات المساعدات إلى إيطاليا وإيران وما وراءهما.

وعندما يتولى “بايدن” منصبه، فيجب أن تكون إحدى مكالماته الأولى مع الرئيس الصيني “شي جين بينغ” وغيره من كبار الدول المانحة للمساعدات. ويجب أن تتضمن خطة “بايدن” مبادرة لتحسين الاقتصاد العالمي، ويجب على واشنطن أن تحث بكين على النظر بجدية في تخفيض أو شطب الديون الضخمة المستحقة لبكين لدى العديد من البلدان الفقيرة على مدى العقد الماضي – وهي الديون التي تمنع تلك الدول الفقيرة من التعافي اقتصاديًا.

واستهل “بايدن” منصبه الجديدة بقرارٍ رائع وهو ترشيح شخصية رفيعة المستوى، وهي “”سامانثا باور”، سفيرة الولايات المتحدة السابقة لدى الأمم المتحدة، لرئاسة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (يوسايد). كما أصدر “بايدن” قرارًا بترقية منصب رئيس الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إلى مجلس الأمن القومي الأمريكي – وذلك اعترافًا منه بضرورة وضع المساعدة الإنمائية على رأس صناعة السياسة الخارجية. وبينما يمثل هذا الجزء الصغير من الأخبار البيروقراطية الأمريكية إشارة جيدة، فلا بد من الترقب لنرى ما إذا كانت الولايات المتحدة ستهتم بالمساعدة الإنمائية، أم أنها ستبقى منشغلة بمشاكلها المحلية.

وترى كثيرًا من دول العالم أن الاضطرابات والانقسامات السياسية في أمريكا باتت أشبه بمسلسل تلفزيوني درامي بعيد، حيث كثير من الناس مشغولون بمحاولة استعادة حياتهم وسبل عيشهم بحيث لا يهتمون كثيرًا بما يحدث بعد دونالد ترامب. إذا، فالطريقة الأمثل لإثبات أن “أمريكا عادت، كما يقول “بايدن” هو القيادة المستدامة والمبتكرة في معالجة أكبر مشكلة نواجها جميعًا، وهي: المذبحة الاقتصادية التي أعقبت الجائحة وتصيب العالم بالوهن – ولاسيما الدول الأكثر ضعفاً.

أفشين مولافي، زميل كبير لدى معهد السياسة الخارجية بكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، ومحرر ومؤسس موقع “New Silk Road Monitor”.