الرحالة العالميين ينحدرون من كل مكان وليس لديهم وطن محدد لكن يمكنهم توحيد العالم

ريم تينا غزال

AFP Photo: Saeed Khan

دون العيش في منطقة نائية للغاية حيث هناك القليل من التواصل أو لا يوجد أي تواصل مع العالم الخارجي، من الصعب على أي إنسان أن يعيش في مجتمع أحادي الثقافة. فمن السهل جدًا أن تجد أصدقاء وجيران وزملاء العمل والعملاء والشركاء وحتى الوالدين ينحدرون من ثقافات مختلفة. حيث ولّت الأيام التي كانت الأجيال المختلفة من العائلات تعيش في مكان واحد، حيث يعرف الخباز المحلي نوع خبزك المفضّل، لأن أجداده كانوا يخبزونه لأجدادك.

وسواء كان ذلك بسبب الهجرة الجماعية أو عولمة الاقتصاد؛ فإن تعدد الثقافات بات هو القاعدة الجديدة، وبالنسبة للكثيرين، فإن تلك القاعدة مبنية على تجربة شخصية.

يسمى هؤلاء الأشخاص “الرحالة العالميين” – وهو مسمى أطلقته الباحثة في العلوم الاجتماعية نورما ماكيج في عام 1984 للإشارة إلى أي شخص بغّض النظر عن عمره أو جنسيته، اضطر أن يعيش في مكان ما غير المثبت في جواز سفره/سفرها، وذلك بسبب وظيفة أحد الوالدين التي حتمّت على هذا الشخص الانتقال من مكان إلى مكان. لدرجة أن بعضهم أصبح انتماؤه للدولة التي احتضنته، وليس للدولة التي وُلِد فيها أو التي يحمل جواز سفرها.

وهذا الأمر يظهر جليًا بصفة خاصة في منطقة دول الخليج العربي، حيث يعود تاريخ بعض عائلات المغتربين إلى الأب أو الجد الذي وصل إلى منطقة الخليج في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي لتولي وظيفة ولم يعُد إلى بلاده مرة أخرى. ولم يعد أبناء وأحفاد هذا الشخص – الذين ربما يكونوا قد وُلِدوا في منطقة الخليج –  يعتبروا من المغتربين،  فبالنسبة لهم، بات الخليج هو الوطن، أو على الأقل أكبر من مجرد محطة عابرة.

يعتبر الرحالة العالميين هم خلفاء “أطفال الثقافة الثالثة” TCKs، وهي الجماعة التي قامت بتعريفها العالِمة الاجتماعية روث هيل أوسيم في الخمسينيات من القرن الماضي، لتصف بها الأطفال الذين نشأوا في ظل ثقافة مختلفة عن ثقافة والديهم. ولتفسير هذا المصطلح فإن: الثقافة “الأولى” هي ثقافة الآباء، والثقافة “الثانية” هي مكان الإقامة، أما الثقافة “الثالثة” فإنها تعُد نتاجًا لاختلاط وتفاعل الأطفال مع أقرانهم من الجنسيات والخلفيات المتباينة. وفي البداية، كان هذا المصطلح يُطلق على عائلات العسكريين أو الدبلوماسيين بشكل أساسي، لكن مصطلح “أطفال الثقافة الثالثة” بات يُطلق الآن على الأطفال الذين فاق عددهم عدد أقرانهم الذين لم يقضوا سنوات حياتهم الأولى وهُم يتنقلون من دولة إلى أخرى. ومع حرية التنقل التي باتت أسهل كثيرًا عن ذي قبل، ربما نرى في المستقبل أطفال من الثقافة الرابعة أو الخامسة، الذين يحمل كل منهم أكثر من جنسية وجواز سفر، والكثير من الأماكن التي يعتبرونها وطنًا لهم.

لكن ما الذي يمثله ذلك بالنسبة لصدق الهوية الحقيقية لمكان ما؟، وهل ستختفي اللهجات والتقاليد القديمة بشكل تدريجي؟ وإلى أي مدى يعد هذا “الترحال” واعيًا بأي حال من الأحوال؟ وهل يعني مصطلح الترحال، كما يشير الاسم، فقدان الارتباط والانتماء لمكان ما؟

وقد كانت القبائل الرحالة التقليدية تنتقل بين أراضي شبه الجزيرة العربية وما ورائها بحثًا عن فرص أفضل. وما كان يفصل بين الحدود ليس الأسوار والبوابات، وإنما آبار المياه والحدود التي صنعتها القبائل، وبالرغم من أن تلك الحدود لا تعُد ملموسة بالمعنى التقليدي، إلا أنها كانت واضحة للغاية للبصيرة المتمرسة التي يتمتع بها الرحالة.  فلطالما تمكن الناس بسهولة من تحديد شخص معين من قبيلة معينة.

لكن الرغبة في الانتماء هي من طبيعة البشر، وهناك الكثير من الأبحاث التي تُظهِر أن الانتماء يعُد ركنًا هامًا لدعم الصحة النفسية وسعادة الإنسان بشكل عام، لذا فإنه حتى قدامى الرحالة كان لهم روابط عائلية أو ثقافية أو تاريخية تربطهم بمكان محدد، بحيث تجبرهم تلك الروابط على العودة إلى هذا المكان.

وبلُغة العصر الحديث، فإن كل خطوة تخطوها بحثًا عن وظيفة أو ترقية أو مشروع، تدفعك للبحث عن “قبيلة” أو مجتمع جديد تنتمي إليه، وذلك ببساطة كي تتغلّب على الشعور بالعُزلة والوحدة. وكما ثبت لدى الكثير من المغتربين في منطقة دول الخليج، فإنه حتى “الإقامة المؤقتة” المرتبطة بتاريخ انتهاء التأشيرة، من الممكن أن يكون لها تأثير قوي على هذا المغترب. فقد يكون من المؤلم وداع الكثير من الأشخاص عند انتهاء مدة العقد المحددة أو قرب أجل انتهاء التأشيرة.

ومع القوانين الجديدة لتسهيل الحصول على التأشيرات، والتي صدرت في دول مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، والتي تسمح بمدة إقامة أطول وعدد غير محدود من تأشيرات الدخول والخروج، فإنه سيكون من المفيد دراسة تأثير تلك العملية على مشاعر وهوية المغتربين المقيمين في منطقة الخليج، وكذا تأثيرها على القرارات التي يتخذونها.

حيث توفر “التأشيرة الذهبية” التي تمنحها دولة الإمارات العربية المتحدة  الإقامة لمدة تتراوح من 5 إلى 10 سنوات، على العكس من الوضع الحالي الذي تُمنح فيه الإقامة لمدة عامين فقط. ويقول خلفان جمعة بلهول، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للمستقبل، أن :”الفيزا الجديدة تهدف إلى إنشاء بيئة محفزة لرواد الأعمال والشركات الناشئةوذلك يأتي بالتوافق مع مجهودات الحكومة لتنمية بنية تحتية متطورة، ووضع منظومة تشريعات تكفل نجاح المشروعات، وتجذب المواهب من الداخل والخارج في عدة قطاعات حيوية مختلفة”.

وبالنسبة للمغتربين الحاصلين على إقامة طويلة المدة، فإن إمكانية استمرار الشخص في المكان الذي كبر على حبه وأصبح له وطنًا، ستجعل هذا الشخص يتخلص من الكثير من التوتر والقلق بشأن المستقبل.

وهناك مكسبًا إضافيًا يمكن تحقيقه، فمن المحتمل أن العالم الذي يشهد المزيد من “أطفال الثقافة الثالثة” والرحالة العالميين سيصبح في النهاية أكثر سلامًا، ذلك إذا صح ما قالته نورما ماكيج.

فقد قالت نورما ماكيج في حوار مع صحيفة إلباسو تايمز :”إن الرحالة العالميين يعتبرون وسطاء جيدين للغاية، وحينما يقومأطفال الثقافة الثالثةبالاحتكاك بثقافة أخرى، يصبحون مراقبين بارعين وموضوعيين للغاية. ، فهم كالإسفنج  يستوعبون الثقافات بشكل كبير. وتتحول تلك المهارات إلى أدوات مثالية لمكافحة العنصرية والنهوض بالعمل الاجتماعي ودعم اللاجئين”.

وأعتقد أن نورما ماكيج كانت تعني أنه على الرغم من أننا جميعًا مختلفين،  فإننا متشابهون في جوهرنا، لذا فالواقع يقول أنه لا جدوى من عقلية “نحن” و”هم” التي تؤدي إلى الصراع. وربما تكون تجربة الرحالة العالميين تعني أنهم قد أدركوا تلك الحقائق بكل سهولة.

ريم تينا غزال هي صحفية فازت بالعديد من الجوائز. وأصبحت في عام 2003 إحدى أولى النساء العربيات اللاتي يقمن بتغطية مناطق الحروب في الشرق الأوسط.